أسمعها أم تسمعني؟

آلاء شعبان
الساعة الثانية عشرة ظهرًا….
يوم الخميس إنه نهاية الأسبوع، وسيبدأ وقتي مع نفسي قليلًا، لكن لا شيء يكتمل على ما يبدوا…
دخلت على أختِ غرفتها المغلقة، إنها تعالج نفسها من مرضٍ نفسي، ظنًا منها أنها مريضة بعد بعض الروايات التي قرأتها ليلة أمس.
لم يكن هذا كلامي إنها إحدى جارتنا التي أوقفتني بعد يوم عملٍ مُرهق، وأنا أحلم بوصولي للبيت، تطلب مني أن أقول كلمة لأبنتها، لا أعرف ما نوع هذه الثقة، لكني قبض عليّا، فاستسلمت واستمعت لها…. وبعد حديثها عن ابنتها غريبة الأطوار التي تجلس في غرفتها تقرأ روايات، وتعالج مرضها النفسي، ظهرت هذه المريضة في نظر أمها، ابتسمتُ لها، ولا أستطيع أن أجزم إنها مريضة نفسيه بالفعل؟
أم بعد القبض عليّا، وأنا أحلم بغرفتي هو من جعلني مريضة؟
تحدثت إليَّ بتردد كأنها آخر فرصة لتبوح بما يكمن في صدرها متلجلة، فيبدوا أنها تحبني نفس درجة حب أمها لي، وأردفت قائلة: لا أستطيع أن أحب نفسي؛ لأن هذا أحد نقاط الثقة بالنفس، وأجد نفسي مندعمة من هذا الشيء
رددت متلعثمة: أتساءل أحيانًا كيف للناس أن يحبونني، بل والأدهى يثقون بي، وأنا لا أملك لنفسي هاتين الصفتين أبكي على نفسي كثيرًا وأتأثر بمشاهد تبدوا عادية في نظر البعض.
أكملت باكية مشتته كأنها تبحث عن ما فُقد منها: أرى أنها معضلة كبيرة، كيف عليّا حلها، والتعامل معها؟ كيف سأعيش حياة من المفترض ملكي، وأنا لا أمتلك حب لنفسي، وثقةً بها..
دائمًا ما يسرق انتباهي الأشخاص الذين عادةً ما نقول عنهم متكبرون، ومتغطرسون، أنا أرى أنهم واثقون من أنفسهم، لذلك لا أكرهم؛ لأن ليس من العيب أن يُحب الإنسان نفسه.
صمتت قليلاً كأنها تترك لي الفرصة لأدرك كل ما قالته لا لأحزن عليها بل لأسمعها..
لم يكن خطأي وحدي..
هذا ما رددته مكملة وهي شاردة كأنها تذكرت ما ألامها: بل كل هذا بسبب عائلة نشأت فيها لا تنصت لي، نشأت على أن الفتاة المهذبة في نظرهم التي لا تتكلم، يؤخذ حقها وهي صامتة، ترى الخطأ وينساب عليها ولا تستطيع أن تدافع عن نفسها؛ لأن ليس لديها هذا الحق، فوجدت نفسي عديمة الثقة.
ليتها توقفت عند هذا الحد…
جعلوني غير أبيه من حولي، لا أقول الصدق، ولا أصدقهم، لأني أعتقد أنهم مثلي، وأعيش وحيدة كشجرة حُكم عليها أن تكون على أطراف الطريق لمهب الرياح وحدها، جعلوني هشه، ضغيفة، لا أصدق مدح الناس لي، لأني لم أشبع ذلك داخلياً، ولا أثق في أحد، لأنها لم تولد عندي، وأكملت بنفس متقطع بعض هذه الثقافة: حتّى أنتِ
صُدمت بما سمعته أذناي ومما تفوهت به ورأيتها تهب واقفة ثم نظرت لي وذهبت، ولم يعد لي أهمية أنا أيضًا فنهضت ذاهبة…
طوال طريق المتبقي لعودتي، لم يكف رأسي عن الأسئلة..
أهي تلقي اللوم على عائلتها، أم أنها صدقت القول؟
كيف يكون هذا إلقاء لوم وهي الحقيقة، إن العائلة أول أساس لكسب هذه الأشياء، أو ركيزة يجب أن نستند عليها، لا أن تنعتنا ببعض الألفاظ، إنها كانت تحتاج فقط أن تُسمع، لا لإصدار الأحكام فقط، وربما لما كانت صديقة غرفتها وسط روايتها الوهمية.
كانت تحتاج لغذاء روحها من الأقرب لفؤادها، وعقدت النية لأخبر من أقرب لها أن تستمع لها، لأن الفتاة ذكية لا تستحق لقب غريبة الأطوار، و.. المريضة النفسية.



