ذكريات رمضان

سامح بسيوني
الصغيران سامح وصباح، يجلسان يراقبان غروب آخر شمس من شهر شعبان على ترعة الباجورية الواقعة داخل بلدتهم، وقرص الشمس تحوّل إلى كرة وقد رُميت في تلك الترعة، والشفق الأحمر ملأ السماء، وعلى وجهي الصغيرين ترتسم علامات من الرضا والحبور، وضحكات تملأ الكون بهجةً وسرورًا، وينظران في تأمل إلى استراحة الوزير (سلطان ترك)، وزير الزراعة الأسبق، الواقعة أمام تلك الترعة، وقد زُيِّنت بزينة رمضان، وعُلِّقت الأنوار ابتهاجًا بقدوم هذا الشهر الكريم، وقد ارتفع صوت الأطفال من وسط البلدة؛ مهللين فارحين بقدومه، فينطلق الصغيران يحملهما بساط السعادة والسرور إلى وسط البلد من أمام دوار العمدة، والغفر يحملون على ظهورهم بنادقهم في ثقةٍ وأمان، وهناك زفة أخرى قادمة من أول البلد متجهة إلى مسجد سيدي (الحسن بن علي) ـ رضي الله عنه ـ وهم يرددون الأناشيد؛ ابتهاجًا وتطلعًا لرؤية رمضان.
واجتمع الصبية والصبايا أمام دوار العمدة، وحُبست الأنفاس لسماع الرؤية، ويخرج علينا صوت المذيع من مذياع العمدة الخشبي يقول: «هنا القاهرة، ننتقل بكم إلى إذاعة خارجية؛ لنقل احتفال دار الإفتاء المصرية لاستطلاع رؤية شعبان»، فتزداد اللهفة والشوق بعد غياب أحد عشر شهرًا، وهو يرجع إلينا بذكريات وهدايا نفيسة، وها هو المفتي يدلو بكلمته، والأنفاس بلغت الحلقوم، وكأن عقارب الساعة توقفت، والكل يُمني نفسه بأن يعلن أن غدًا هو أول شهر رمضان المبارك، فما إن وصل إلى أن غدًا هو أول شهر رمضان، فتعالت الأصوات إلى عنان السماء بين الأطفال، وعناق كبير بينهم فرحًا واستبشارًا، فيخرج العمدة ومعه من الحلوى فيلقي بها على الصبية، فيحدث جوًّا جديدًا من اللهو واللعب والفرح والسعادة بين أطفال القرية.
وينطلق الجميع يجرون وراء بعضهم إلى مسجد الحسن بن علي، وقد تزينت مئذنته بصنوف من الزينة، وتعالت المكبرات بآيات الصيام، ورجال القرية يأتون واحدًا تلو الآخر مهنئين بعضهم بعضًا لقدومه، ويدخلون المسجد استعدادًا لصلاة العشاء والتراويح، وقد امتلأ المسجد عن بكرة أبيه انتظارًا لأداء فريضة الصلاة.
وما إن انتهت الصلاة، وانطلق الأطفال في حبور وسعادة منطلقين إلى لهوهم، ويجتمعون في وسط بلدتهم على البوابة، وقد بدأت المحال في استقبال النسوة، وهن يُقبلن على شراء السحور، وقد جلست الخالة زينب، بائعة الفول والطعمية، تُجهز فوالتها وتستعد لقلي الطعمية، وقد التف إليها الكثير كأطفال ينظرون إلى أمهم وهي تصنع لهم الطعام.
وها هو الوقت يمر كالبرق، وصبية البلد مع صباياها ينتظرون المسحراتي، وكل منهم يمسك بيده فانوسًا من (الصاج)، وبه شمعة يخرج منها دخان منبعث يملأ أركان البلدة، كأنه طائف يوقظ النائم والغافل،
فنسمع من بعيد صوت المسحراتي الجهوري ينادي على النائمين: «اصحى يا نايم وحد الدايم»، فينطلق الصغار إليه بعد شوق كبير، ومعهم من الحلوى والطعام فيعطونها لعمهم (حامد المسحراتي)، وينطلقون وراءه يلهون ويلعبون، ويطوفون على الديار يوقظون الغافل منهم والنائم، وينتهي بهم المطاف عند مسجد أبي بكر، فيسمعون قرآن الفجر، فينطلقون كالبرق إلى ديارهم، ويجلسون على طبلية ممتلئة بالخيرات من فول وبيض وزبادي وقشطة وخضروات، يتناولون السحور وهم يسمعون من آبائهم وأمهاتهم ذكرياتهم مع رمضان، ولحظات، والتواشيح ملأت أركان البلدة، والكل يستعد لصلاة أول فجر في رمضان، ويذهب الصغيران مع أبيهم لأداء الصلاة، وبعد الصلاة يرجعان إلى دارهما منهمكين، فيخلدان إلى نوم عميق، وهما يتطلعان إلى غروب أول يوم في رمضان.
والصبية مجتمعون عند مسجد الحسن أمام المسجد، وينتظران ماذا أُعدَّ لهما على مائدتهما من أصناف الطعام، وهما الآن يترقبان مدفع الإفطار، فما إن يسمعا من المذياع: «وانطلق مدفع الإفطار»، فينطلق الجميع مرة ثانية إلى ديارهم، وقد جلس الجميع في وسط ديارهم يتناولون فطورهم على المذياع، ويتابعون المسلسل الإذاعي في جو من الفرح والسرور، وبعد الانتهاء يخرج الإخوة إلى دار الخالة عزيزة لشراء الحلوى منها، والجلوس عندها لرؤية فوازير (فطوطة) من التلفاز، والخالة تحنو عليهما برفق وحنان يملأ المكان.
وبعد ذلك تجتمع صبية البلدة مع صباياها، فيذهبون يلعبون ويَلهون حتى بزوغ فجر جديد من أيام رمضان.



