حين تتحول الجغرافيا إلى سلاح : قراءة في حسابات الحرب الأمريكية الإيرانية وتداعيات الإقليم

✍️ بقلم : يوحنا عزمي
المشهد لا يُقرأ بالانفعال ، بل بتجريد بارد للأهداف والنتائج ..
في تقديري ، الهدف الحقيقي لأي مواجهة أمريكية إسرائيلية مع إيران لن يكون مجرد توجيه ضربة تأديبية أو تدمير منشآت عسكرية ، بل إعادة هندسة دولة كاملة.
السيناريو الأخطر ليس قنبلة نووية ، بل تفكيك بطيء لدولة كبيرة متعددة الأعراق والمذاهب ، تُسحب منها أنيابها العسكرية وتُترك ساحة صراع داخلي مفتوح، بما يجعلها عاجزة عن استعادة تماسكها لعقود طويلة. هذا النوع من الحروب لا يُقاس بعدد الصواريخ ، بل بعدد الخرائط الجديدة التي تُرسم على الطاولة.
الفكرة الجوهرية في أي صراع من هذا النوع أن تدمير الجيوش أسهل من تدمير المجتمعات ، لكن تفجير المجتمعات من الداخل أكثر فاعلية وأطول أثراً. حين تنهار الدولة المركزية في بلد متعدد القوميات ، يتحول التنافس السياسي إلى اقتتال هوياتي ، ويصبح الدم أرخص من النفط. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية : ملايين البشر لا يموتون فقط تحت القصف ، بل تحت فوضى التفكك.
في المقابل ، هناك قراءة تقول إن طهران أخطأت في ترتيب أولوياتها العسكرية لعقود. فالدولة التي تُخضع المؤسسة العسكرية بالكامل لاعتبارات أيديولوجية تفقد تدريجياً ميزتها الاحترافية.
الجيوش تُبنى على الكفاءة والانضباط والتخطيط ، لا على الولاء السياسي وحده. وعندما تختلط العقيدة العسكرية بالعقيدة الدينية دون توازن ، يصبح القرار الإستراتيجي أسير حسابات غير عسكرية.
أما عن نقاط الضعف ، فالدول الكبرى لا تخشى تدمير المباني بقدر ما تخشى توابيت الجنود. الرأي العام في الولايات المتحدة وإسرائيل حساس تجاه الخسائر البشرية ، وهذه حقيقة تاريخية ظهرت في فيتنام والعراق ولبنان. المعدات تُعوض، لكن الجندي الذي يعود في كيس أسود يُحدث زلزالاً سياسياً. لذلك تميل هذه الدول إلى الحروب عن بُعد : صواريخ دقيقة ، طائرات مسيرة ، ضغط اقتصادي ، وتجنب الانخراط البري المكلف.
لكن أي حديث عن إستخدام أسلحة مشعة أو كيميائية ضد مدن أو منشآت مدنية ليس مجرد تصعيد ، بل إنتحار سياسي وأخلاقي. هذه أسلحة محرمة دولياً ، واستخدامها يفتح باب ردود كارثية لا يمكن احتواؤها. التلويح بها قد يُستخدم للردع النظري، لكن تنفيذها يعني تجاوز خط أحمر سيُبرر أقسى أنواع الرد.
المعضلة الجغرافية أيضاً حاضرة بقوة. إيران ، مهما امتلكت من صواريخ ومسيرات ، تواجه عائق المسافة والحدود. غياب إتصال جغرافي مباشر مع إسرائيل يجعل الحرب بالنسبة لها صاروخية بالأساس ، بينما تبقى قواتها البرية خارج المعادلة. الجغرافيا في الحروب ليست تفصيلاً ، بل قدر حاكم. الدولة التي تستطيع تحريك دباباتها وجنودها مباشرة إلى ساحة القتال تملك ميزة لا تعوضها الصواريخ وحدها.
في الخلفية ، تُطرح نظريات عن “إعادة تشكيل المنطقة” وخرائط جديدة ، وعن مشاريع قديمة تعود جذورها إلى منتصف القرن العشرين. يُستدعى عام 1947 وقرارات التقسيم الأولى، ويُستحضر خطاب “إسرائيل الكبرى” باعتباره مشروعاً دائماً. لكن بين الشعارات والوقائع مسافة كبيرة. الدول لا تُدار بالأساطير وحدها، بل بتوازنات قوة معقدة ، ومصالح متشابكة ، وتحالفات تتبدل.
أما عن القوى الكبرى مثل الصين وروسيا ، فحساباتهما أبعد من العاطفة. بكين تنظر إلى أمن الطاقة وسلاسل الإمداد ، وموسكو تنظر إلى توازن الردع مع واشنطن. لن تدخل أي منهما حرباً مباشرة إلا إذا مس الصراع جوهر أمنها القومي. الدعم غير المباشر وارد ، لكن المواجهة المفتوحة قرار مختلف تماماً.
وتبقى دول المنطقة ، من مصر إلى الخليج ، أمام معادلة دقيقة : تجنب الانجرار إلى حرب لا تملك قرارها ، مع حماية أمنها القومي ومنع أراضيها من أن تتحول إلى ساحات تصفية حسابات. في النهاية ، الحروب الحديثة لا تُحسم فقط في الميدان ، بل في الإقتصاد والإعلام والرأي العام.
الخلاصة أن أي صراع واسع بين واشنطن وطهران لن يكون معركة أيام ، بل اختبار أعصاب طويل. أخطر ما فيه ليس الضربة الأولى بل ما بعدها : كيف يُعاد تشكيل ميزان القوى؟ من يملأ الفراغ؟ ومن يدفع الفاتورة؟ التاريخ يُخبرنا أن الدول التي تدخل الحروب بلا رؤية خروج واضحة ، غالباً ما تخرج منها أقل مما دخلت به.
المنطقة تقف على حافة احتمالات مفتوحة. الإنتصار الحقيقي لأي دولة لن يكون في عدد الصواريخ التي تطلقها ، بل في قدرتها على تجنب الانزلاق إلى فوضى لا يمكن السيطرة عليها. في مثل هذه اللحظات ، الحكمة ليست ضعفاً ، بل أعلى درجات القوة.



