مقالات

هدنة لبنان بين ضغوط واشنطن وارتباك تل أبيب .. إستراحة مؤقتة أم إعادة تموضع قبل العاصفة؟

✍️ يوحنا عزمي 

تبدو الساحة السياسية في هذه اللحظة وكأنها تتحرك داخل حالة من الارتباك الشديد وتداخل الحسابات الداخلية والخارجية ، حيث تتقاطع القرارات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية والاعتبارات الانتخابية في الولايات المتحدة ، بينما ينعكس ذلك مباشرة على إسرائيل وجبهتها الشمالية.

وفي هذا السياق تتداول بعض التقارير والتحليلات رواية مفادها أن إعلان وقف إطلاق النار في لبنان لم يكن مجرد تطور ميداني معزول، بل جاء في لحظة ضاغطة داخلياً على الإدارة الأمريكية ، خصوصاً مع تصاعد الحديث في الداخل الأمريكي عن ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة ، وهو ما يضع أي إدارة سياسية تحت ضغط مباشر من الرأي العام ، خاصة مع اقتراب استحقاقات انتخابية حساسة. وتذهب هذه القراءة إلى أن تراجع الدعم الشعبي ، وتزايد الانتقادات داخل الأوساط الجمهورية نفسها بشأن كلفة الانخراط في الصراعات الخارجية ، قد شكل عاملاً مؤثراً في تسريع محاولة احتواء التصعيد في أكثر من جبهة ، بما فيها الجبهة اللبنانية ، بهدف تجميد الموقف مؤقتاً وإعادة ترتيب الأولويات التفاوضية مع الأطراف الإقليمية ، وعلى رأسها إيران التي بدورها تتمسك بأن أي مسار تهدئة لا يمكن أن يكون جزئياً أو منفصلاً عن باقي الساحات.

وفي المقابل ، تعكس التطورات في الجانب الإسرائيلي صورة أكثر ارتباكاً داخل منظومة اتخاذ القرار ، حيث تشير تقديرات إعلامية وسياسية إلى وجود فجوة واضحة بين المستويين السياسي والعسكري في لحظة الإعلان ، إذ فوجئت بعض الدوائر بصدور الإعلان عبر القنوات الإعلامية قبل اكتمال الإجراءات المؤسسية المعتادة ، ما فتح باباً واسعاً للجدل الداخلي حول آلية إدارة القرار وتوقيته.

هذا الارتباك انعكس أيضاً على المستوى الميداني وفق بعض المزاعم المتداولة، حيث سادت حالة من عدم اليقين بشأن أوامر وقف العمليات، وهو ما عمّق الشعور بوجود خلل في التنسيق بين القيادة السياسية والجيش. ومع تصاعد هذا المشهد، برزت انتقادات داخلية حادة في الشمال الإسرائيلي ، خصوصاً من قبل ممثلين عن المجتمعات المحلية هناك، الذين عبروا عن مخاوفهم من أن أي تهدئة غير مكتملة قد تُبقي حالة التهديد قائمة دون حلول جذرية، ما يضعهم في مواجهة وضع أمني مفتوح على احتمالات طويلة الأمد.

وتذهب بعض القراءات السياسية إلى أن ما جرى يعكس في جوهره تلاقي ضغوط متبادلة بين أطراف متعددة ، فالإدارة الأمريكية تتحرك تحت ضغط داخلي مرتبط بالاقتصاد والرأي العام، والحكومة الإسرائيلية تواجه تحديات سياسية وأمنية معقدة ، في حين تواصل أطراف إقليمية مثل إيران وحلفائها الدفع باتجاه تثبيت معادلات توازن جديدة تمنع الحسم السريع وتُبقي أوراق الضغط قائمة. وفي ظل هذا التشابك ، تظهر الهدنة – وفق هذا التصور – كحل مؤقت أكثر منها تسوية نهائية ، إذ تُستخدم لإعادة ترتيب الحسابات لا لإنهاء جذور الصراع.

وبناءً على ذلك ، فإن الصورة العامة لا توحي بحسم قريب بقدر ما تعكس مرحلة إعادة تموضع، حيث يحاول كل طرف التقاط أنفاسه السياسية والعسكرية والاقتصادية قبل الانتقال إلى جولة جديدة قد تكون أكثر تعقيداً واتساعاً من سابقاتها ، ما يجعل الحديث عن نهاية نهائية للصراع أو بداية استقرار طويل الأمد أمراً ما زال بعيداً عن الواقع الفعلي في هذه المرحلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى