تهديد نووي تكتيكي أم سياسة الأرض المحروقة؟

✍️ يوحنا عزمي
الخطاب الذي ألقاه ترامب مؤخراً ، يحمل في ظاهره أسلوب الإنتصار المتكرر الذي اعتاد عليه جمهوره ، لكنه في العمق يكشف مجموعة من الرسائل الخطيرة المتعلقة بالاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران والمستقبل القريب للمنطقة.
ترامب بدأ كعادته بتضخيم إنجازاته العسكرية ، مؤكداً على أن العمليات الأمريكية والإسرائيلية في تدمير مصانع الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية قد حققت “نجاحاً ساحقاً”، وأن النظام الإيراني تكبد خسائر لم يسبق أن شهدها أي خصم من قبل ، مع الإشارة إلى مقتل العديد من كبار قادة النظام، وهو ما يُصور على أنه جعل إيران عاجزة عن التفاوض أو اتخاذ قرارات فعالة حالياً. هذه الرواية ، رغم كونها مبالغاً فيها ، ترسم صورة الانتصار الأمريكي بشكل مبسط وتخفي الواقع المعقد الذي تواجهه القوات الأمريكية في المنطقة، بما في ذلك استمرار الضغط الإيراني على مضيق هرمز.
المثير للقلق في الخطاب كان التهديد المباشر بإعادة إيران “إلى العصر الحجري”، وهي عبارة توحي بإمكانية استخدام أسلحة غير تقليدية، ربما نووية تكتيكية، لتدمير البنية التحتية الحيوية للبلاد. السيناريوهات المطروحة تشير إلى احتمالين رئيسيين :
الأول يتمثل في استخدام ضربات نووية محدودة لاستهداف المواقع النووية المحمية تحت الأرض ، وهو ما يعكس أن هذه المواقع ما زالت قائمة رغم التصريحات السابقة عن تدميرها.
الثاني يعتمد على سياسة “الأرض المحروقة” التي تستهدف محطات الكهرباء والمياه والموانئ والمصافي ، بهدف إخضاع إيران لضغوط اقتصادية وإنسانية ، وهو ما قد يؤدي إلى رد فعل انتقامي يمتد ليشمل دول الخليج ، ما يزيد المخاطر على مستوى المنطقة بأكملها.
خطاب ترامب لم يكتفِ بالحديث عن الضربات المحتملة فحسب، بل تضمن محاولة لتهيئة الداخل الأمريكي لحرب طويلة ومكلفة، ربما تشمل تدخلًا برياً ، مستعرضاً تاريخ الولايات المتحدة في الحروب الكبرى مثل فيتنام. هذا التمهيد يبدو متناقضاً مع تصويره لانتصاراته، ويهدف عمليًا إلى امتصاص الغضب الداخلي من ارتفاع أسعار الوقود وخسائر الجنود ، بما في ذلك الاعتراف بمقتل 13 جندياً مؤخراً.
فيما يتعلق بالنفط ومضيق هرمز، قدم ترامب صورة جديدة لعلاقته بالمنطقة ، مؤكداً على استقلالية الولايات المتحدة في إنتاج النفط والغاز ، وداعياً حلفاء الناتو للتعامل بأنفسهم مع أي نقص محتمل، وهو ما يعكس تحولًا واضحاً في سياسات الحلفاء والتزاماتهم تجاه الأمن الإقليمي ، وأثر هذا مباشرة على الأسواق العالمية، حيث ارتفع سعر خام برنت إلى 105 دولارات بعد الخطاب.
الرد الإيراني على هذا الخطاب كان سريعاً وواضحاً، إذ أطلقت إيران صواريخ على مدينة حيفا ومناطق متعددة ، بالإضافة إلى استهداف قاعدة أمريكية في البحرين ، ما يوضح أن التصريحات الأمريكية عن “انتهاء القدرات الإيرانية” لم تعكس الواقع الفعلي على الأرض، وأن إيران ما زالت قادرة على الرد المباشر.
هذه التطورات تبرز حجم التناقض بين الخطاب الأمريكي والواقع الميداني، وتزيد من احتمالات تصعيد الأوضاع.
في المجمل ، الخطاب كان مزيجاً من المبالغات الكلاسيكية والتصريحات العنيفة المبطنة بالتهديدات ، ما يجعل الأيام المقبلة في المنطقة محفوفة بالمخاطر ، سواء من ناحية إمكانية استخدام أسلحة غير تقليدية أو من ناحية الصراع الاقتصادي والعسكري المستمر.
يبدو أن الاستراتيجية الحالية تهدف إلى إعادة رسم المنطقة بالقوة، مع تجاهل التداعيات الإنسانية والسياسية ، وهو ما يضع المنطقة على شفا أزمة شاملة قد تعيدها إلى حالة من الفوضى والدمار كما لو كانت “100 سنة إلى الوراء”.



