نزيف قلم

وائل الهاشمي
في ليلة تشبه نهاية العالم، كان القلم وحده مستيقظًا، يقف وحيدًا علي حافة الزمن، يحمل بين حروفه أشجانًا لا تقال، وحزنًا يتسلل كالدخان بين السطور.
لا صوت إلا ارتطام الحروف ببعضها، ولا ضوء إلا ذلك الخيط الضعيف المنبعث من ذاكرة تقاوم الانطفاء.
اقترب أكثر ستراه ككائن مرهق، يتكئ علي حافة الورقة كما يتكئ شيخ علي ذاكرته.
جلس القلم علي حافة الورقة، كجندي عاد من معركة خاسرة، يحمل في جيبه بقايا الحقيقة، وفي قلبه ما يكفي من الحزن ليكتب تاريخًا كاملًا .
هذا القلم لم يخلق ليعيش كل هذا الحزن.
كان حلمه بسيطًا، أن يكتب، أن يسمع، وأن يترك أثرًا صغيرًا قبل أن يجف حبره، لكن الحياة لم تكن رحيمه به.
هنا في هذا البياض الصامت، ولدت مقالات لم يكتب لها أن تعيش.
مقالات تاريخية، كانت يومًا تشبه الملوك في هيبتها، تسرد حكايات المدن التي سقطت، والأصوات التي انكسرت، والدماء التي رسمت حدود العالم؛ ثم فجأة اختفت، ذهبت مع الريح، كما لو أن الزمن ابتلعها، ورفض حتي أن يترك أثرًا لوجودها.
وهناك في الزاوية الأخرى من الورقة، كانت المقالات السياسية تركض.
تلهث خلف حدث لا ينتظر، تلاحق تصريحًا، تفسر قرارًا، تحاول أن تمسك بلحظة تتغير قبل أن تكتب، لكنها في النهاية تهرول بعيدًا، تدفن تحت أخبار أحدث، وتنحي قبل أن تلتقط أنفاسها.
كلمات كتبت تحت ضغط اللحظة، عاشت دقائق، ثم ماتت في صمت لا يعزي ؛ تترك القلم وحيدًا، وكأنها تخجل من أن تبقي، كأنها تعرف أنها ولدت لتنسى.
ذلك القلم لا يعرف الرفاهية يولد في قلب الأحداث، فوق أرصفة المدن المنهكة، وفي زوايا الحكايات التي يخشى البعض روايتها.
يتنفس الحقيقة، حتى لو كانت مرة، ويغمس رأسه في حبر ثقيل محمل بالأسئلة: من؟ ولماذا؟ وكيف؟
قد يبدو بسيطًا، قطعة معدنية أو بلاستيكية، لكن داخله عوالم كاملة. حين يتحرك، لا يرسم حروفًا فقط، بل يكشف وجوهًا، ويسقط أقنعة، ويعيد تشكيل وعي كامل.
كم من قصة بدأت بخط صغير، وانتهت بثورة في العقول؟.
لا ينحاز إلا لما يجب أن يقال.
لا يجامل السلطة، ولا يساوم على الصدق، ولا يبيع الحكاية لمن يدفع أكثر؛ هو مرآة، لكنها ليست حيادية تمامًا بل تنحاز للإنسان، للعدل، للحقيقة التي تختبئ خلف الستار.
وحده هذا القلم يعرف معنى أن تكتب وأنت تخاطر، أن تضع نقطة في نهاية جملة، وقد تكون تلك النقطة بداية عاصفة.
أن تمسك الحقيقة بيدك، رغم أنها تحرق، ورغم أن العالم أحيانًا لا يريد رؤيتها.
أنه لا يكتب فقط، إنه يتنفس الحزن.
وفي كل مقال يولد، هناك جزء منه يدفن، وفي كل قصة تروى، هناك ألف قصة تترك خلفها، تصرخ في صمت لا يسمعه أحد.
وفي النهاية، حين يغلف الدفتر، ويترك القلم علي الطاولة، لا يبدو كأداة عادية.
هذا القلم لا يحتاج حبرًا جديدًا.
هو فقط يحتاج قلبًا يرحمه.
حبره لم يعد كما كان، صار أثقل، أبطأ، كأنه يحمل معه كل الكلمات التي لم تجد من يقرأها.
كل سطر يكتبه الآن، يشبه اعتذارًا متأخرًا، أو محاولة أخيرة ليقول: (أنا هنا لا تنسوني).



