النصف الأول والثاني

الشيماء أحمد عبد اللاه
التفضُّل ليس كلمة تُقال، بل شعورٌ ينساب بهدوء داخل القلب، كنسمةٍ تعرف طريقها دون أن تُرى، هو ذلك القرار الخفي الذي يجعلك تمسك بيدك عن الرد، رغم قدرتك عليه، وتمنح العفو دون أن يُطلب منك، كأنك تقول للعالم: أنا أختار أن أكون أرقى، لا لأنهم يستحقون، بل لأنني أنا كذلك.
لكن المؤلم، أن بعضهم لا يرى في هذا الترفّع إلا فرصة، ثم يمد يده إلى ما أُعطي له برفق، فيظنه حقًا ثابتًا لا يُسأل عنه، ينسى أن التفضل لم يكن واجبًا، بل هدية من روحٍ تعرف جيدًا كيف تتجاوز، وكيف ترتقي فوق ما يؤلمها.
التفضل يا عزيزي ليس بابًا مفتوحًا لكل من أراد الدخول فيه، بل هو نورٌ يُمنح لمن يُدرك قيمته، وحين يُقابل هذا النور بجحودٍ بارد، ينطفئ شيءٌ صغير في داخلنا، ليس كرهًا، بل خيبة هادئة تشبه انسحاب الضوء عند الغروب.
ما يُؤلم حقًا ليس أن تُعطي، بل أن يُساء فهم عطائك، أن يُترجم كرمك ضعفًا، وصبرك عجزًا، وسكوتك خوفًا، بينما في الحقيقة أنك كنت ترى أبعد، وتشعر أعمق، وتختار ما هو أسمى، حتى لو كلّفك ذلك بعض الانكسار الصامت.
ولهذا، لا تتفضل أكثر مما يحتمل قلبك الطيب، لا تجعل طيبتك ساحةً يُختبر فيها صبرك كل مرة، فهناك فرقٌ كبير بين أن تُعطي لأنك كريم، وأن تُؤخذ منك لأنهم اعتادوا الأخذ، النصف الأول رفعة، والثاني استنزاف لا يليق بقلبك.
ضع حدودك دون قسوة، واحتفظ بكرمك دون أن تفرّط فيه، لأن التفضل حين يُهان، لا يبقى جميلًا كما كان، بل يتحول إلى عبءٍ ثقيل على روحٍ كانت فقط تريد أن تكون نقية.



