أسبوع بلا إنترنت

بقلم – جلال الدين محمد
هل يمكن أن يقوم أحدكم بإعادة تشغيل الراوتر؟
لماذا تصيح بهذا الصوت العالي في الصباح؟ أين تظن نفسك؟
أنا لن أقوم بإعادة الشحن مرة أخرى في منتصف الشهر، هذا مُكلف جدًا.
صوت طفل يبكي، ويقول: أريد اللعب على التابلت الآن.
هكذا بدا الأمر جنونيًا في بيتنا صباح اليوم، والسبب راوتر الإنترنت. غادرت مُسرعًا وأنا أحمل اللاب توب الخاص بي إلى أحد المقاهي القريبة، التي تقدم خدمات الإنترنت، فقد كنت بحاجة إلى إرسال ما وصلت إليه من بحث متعلق برسالة الماجستير. ولكن حتى هناك لا إنترنت، هل هذا يوم نحسي أما تتأمر الشبكة العنكبوتية علي؟!
لا هذا ولا ذاك، أوضح التلفاز كل شيء. مسؤول حكومي يبدو عليه الوجوم، وبأداء يشبه بيانات الإذاعة في فترة الستينات، قرأ علينا الكلمات التالية “أيها المواطنون، تعرضت أسلاك الإنترنت الرئيسية لاعتداء عسكري؛ نتيجة للحرب المشتعلة في دول الجوار، وعليه انقطعت خدمات الإنترنت عن جميع أنحاء البلاد، التقديرات الأولية تُشير لإمكانية إصلاح العطل خلال أسبوع إذا توصل الأطراف المتصارعة لاتفاق يخفض التصعيد”.
نزلت كلماته كالصاعقة علي، هذا يعني أني لن أتمكن من إرسال نتائج بحثي للمشرف المتواجد حاليًا في دولة أخرى، بل لن أستطيع حتى دفع ثمن الفطور والقهوة للنادل؛ فالأموال كلها على بطاقتي البنكية ولا يوجد في جيبي سوى عشرة جنيهات، والآن قد عدنا للعام 1980!
شرحت الأمر للنادل الذي تفهم هو ومديره، فالجميع في المقهى واجهوا نفس المشكلة. اكتفى الرجل بتصوير بطاقتي الشخصية كضمان لعودتي غدًا لسداد الأموال. من الجيد أن الهواتف تعمل، وإلا لكنت تركتي بطاقتي نفسها.
العشرة جنيهات كانت تكفي لنقلي إلى البنك لسحب الأموال نقدًا، وهكذا وجدت نفسي أقف في طابور يشبه طوابير المعاشات، دخلت إلى البنك في الحادية عشرة صباحًا، وغادرت في الثالثة عصرًا، وكل هذا لأجل ألفين وخمسمائة جنية.
على نحو قهري، بدأت ألاحظ أني ألتقط جوالي دون أن أشعر، أقوم بالتنقل بين الصور، ثم أعيده مجددًا إلى جيبي، لم أختبر منذ طفولتي الجلوس بلا هاتف زكي، وكان الأمر صعبًا للغاية. هل نملك هذه الأشياء أم هي التي تملكنا؟!
انطلقت إلى أحد المكتبات وطبعت البحث الذي أجريته، ثم اشتريت ظرفًا ودونت عليه الاسم ورقم جوال المشرف ومع استحالة والفندق الذي يقيم فيه في العاصمة التركية “أسطنبول”، وقررت أن أجرب إرسال البحث بالطريقة القديمة في الصباح التالي.
في المنزل كان الأمر مختلفًا، أخي الصغير يبدو عليه الملل، بينما تحدث أبي وأمي عن الأيام الخوالي قبل اختراع الهواتف وكيف كانت العائلة تجلس وتتحدث في دفء، والحق يقال أنها كانت المرة الأولى منذ وقت طويل أن نجلس فيها دون أن يحدق أحد منا في هاتفه.
مصائب قوم عند قوم فوائد، رأيت صدق هذه المقولة في الصباح التالي. فمع غياب الانترنت كمصدر أخبار، انتشر باعة الجرائد في كل مكان، والنسخة التي كانت لا تجد من يشتريها البارحة بخمسة جنيهات كانت معروضة بعشرين.
أرسلت البحث عبر البريد، وأخبرني الموظف أنه قد يصل بعد أسبوع. أجريت اتصالًا بالمشرف الذي ضحك كثيرًا وأخبرني أنه سيرد علي بمجرد الاطلاع على البحث. انطلقت إلى المقهى، كان الجميع إما يلعبون الطاولة والدومنة أو يقرأون الجرائد، ومنهم من يشاهد التلفاز باهتمام شديد.
لم أنسى أخي الصغير، فابتعت له بعض الأعداد من مجلات الأطفال المتاحة التي كنت أقرأها في الماضي. حين وصلت إلى المنزل، وجدت أن أمي قد أخرجت له بالفعل نسخي القديمة، وكان منهمكًا فيها، فربتت على رأسه وتركت القصص الجديدة بجواره فابتسم في سعادة.
أخذته من يده في اليوم التالي لمنزل أحد الجيران، ودققت الجرس، وحين فُتح الباب قدمت نفسي لصاحب البيت، وسألته إذا كان من الممكن أن يلعب أخي في الحديقة أمام المنزل مع ولده، فوافق الرجل وهكذا بدأ الصغار في اللعب حتى أذان المغرب.
وبينما أسير في الشارع، وجدت الكرة أمامي وتبينت أن أبناء المنطقة اجتمعوا للعب الكرة في الجراچ الواسع الموجود في الحي، وهكذا خلعت معطفي وسجلت أربعة أهداف، وربحت مبارتين.
في المساء أخذت الهاتف الأرضي الذي كان لا يقربه أحد، وقمت بكتابة الأرقام في أمل، لأسمع الصوت الذي افتقدته كثيرًا لأيام. أحببت عتابها الحاني، وسمعت رنة صوتها العذب بينما تروي لي كل ما حدث معها، كانت هذه أفضل المرات التي تحدثنا فيها على الإطلاق، أنهيت المكالمة وأنا أعدها بكتابة “جواب” فضحكت وقالت سأنتظر.
أحضرت بعض الأكياس والأوراق الزاهية والخيوط والأخشاب، وجلس أخي الصغير بجواري في سعادة، وعلى مدار ثلاث ساعات بدأت في صناعة طائرة ورقية لأجله، ثم انطلقنا إلى الحديقة، وهناك ضحك كما لم يضحك من قبل، وقضينا اليوم بأكمله سويًا.
لا أعرف ما الذي تغير في نفسي خلال هذا الأسبوع، إلا أني شعرت بزيادة في انتباهي وتركيزي، حتى الإحمرار في عيني اختفى تقريبًا، صرت أقرب من أخي، واستمتعت بجلسات الشاي مع أمي، والمشي مع أبي، حتى الجلسات على المقهى صارت أجمل، وحبي لخطيبتي شعرت أنه تضاعف.
اقرأ الخبر! أقرأ الخبر! عودة الإنترنت غدًا! عودة الإنترنت غدًا! صاح بائع الجرائد بالخبر العاجل، والذي أكده بيان من الحكومة في المساء. لا أعرف لماذا أحزني الأمر؟ تُرى هل من الأفضل أن يختفي؟



