رصاص على أبواب البيت الأبيض .. وصفقة الـ60 يوم التي قد تغير الشرق الأوسط بالكامل

✍️ يوحنا عزمي
بينما كان “دونالد ترامب” يضع اللمسات الأخيرة على واحدة من أخطر التفاهمات السياسية في الشرق الأوسط داخل البيت الأبيض، دوّى صوت الرصاص على أبواب المقر الرئاسي نفسه. مشهد بدا وكأنه رسالة سياسية أكثر من كونه مجرد حادث أمني عابر. ففي لحظة كانت واشنطن تحاول فيها تثبيت معادلة تهدئة مع إيران، جاء إطلاق النار ليعكس حجم التوتر الكامن داخل الدولة الأمريكية نفسها ، وكأن الداخل الأمريكي بات انعكاساً للفوضى التي حاولت إخمادها بالخارج طوال السنوات الماضية.
الحادث وقع مساء السبت ، بعدما اقترب شاب أمريكي يُدعى “نصير بست” من إحدى نقاط الخدمة السرية قرب البيت الأبيض وأطلق النار باتجاه المنطقة المؤمنة ، قبل أن يتم التعامل معه وقتله لاحقاً. ورغم أن الرواية الرسمية اختزلت المشهد في كونه شخصاً يعاني اضطرابات نفسية وله سجل عنيف، إلا أن توقيت الحادث فتح باباً واسعاً للتساؤلات، خاصة أنه تزامن مع أخطر مرحلة في المفاوضات غير المعلنة بين واشنطن وطهران. فالبيت الأبيض لم يكن يعيش لحظة عادية ، بل كان يضع إطاراً لاتفاق قد يعيد رسم توازنات المنطقة بالكامل.
بعد ساعات قليلة من الحادث ، خرج وزير الخارجية الأمريكي “ماركو روبيو” برسائل بدت أقرب لإعلان نصر سياسي مؤقت. تحدث بثقة عن تقدم كبير في المفاوضات، وألمح إلى قرب التوصل لتفاهمات تخص مضيق هرمز وملف التصعيد العسكري في المنطقة. لكن خلف هذه اللغة المتفائلة، كانت واشنطن تحاول تسويق الاتفاق باعتباره نجاحاً استراتيجياً يحقق ثلاثة أهداف دفعة واحدة : منع إيران من التصعيد النووي ، تأمين الملاحة الدولية في الخليج، وإنهاء حالة الاستنزاف العسكري الممتدة بين إسرائيل و”حزب الله.
التسريبات الأمريكية كشفت أن الاتفاق المقترح يقوم على هدنة مدتها 60 يوماً ، تُبقي مضيق هرمز مفتوحاً، مع تخفيف جزئي للعقوبات ورفع بعض القيود عن الموانئ الإيرانية ، مقابل بقاء القوات الأمريكية في المنطقة كأداة ضغط وضمان تنفيذ. لكن النقطة الأخطر كانت ما يتعلق باليورانيوم المخصب، حيث حاولت واشنطن إظهار الأمر كتنازل إيراني ضمني عن مشروع السلاح النووي.
هنا تحديداً ظهر التناقض الحقيقي بين الروايتين الأمريكية والإيرانية. فطهران سارعت عبر وسائل إعلامها ومصادرها الرسمية إلى نفي أي التزام بالتخلي عن اليورانيوم عالي التخصيب أو وقف البرنامج النووي ، مؤكدة أن هذه الملفات تم ترحيلها لمفاوضات لاحقة خلال فترة التهدئة. بمعنى أوضح : إيران وافقت على شراء الوقت، لا على تقديم تنازلات استراتيجية.
والحقيقة أن ما يحدث الآن لا يشبه اتفاق سلام بقدر ما يشبه “إعادة تموضع” لكل الأطراف. الولايات المتحدة تدرك أن أي مواجهة مفتوحة مع إيران ستشعل المنطقة بالكامل وتهدد الاقتصاد العالمي عبر مضيق هرمز ، خاصة مع حالة الإنهاك السياسي والعسكري التي تعيشها واشنطن. وفي المقابل ، تدرك إيران أن استمرار التصعيد العسكري سيزيد الضغوط الاقتصادية الداخلية وربما يفتح الباب لفوضى إقليمية أوسع ، لذلك تبدو الهدنة بالنسبة لها فرصة لكسر جزء من الحصار وكسب شرعية تفاوضية جديدة دون التراجع الفعلي عن أوراق قوتها.
اللافت أيضاً أن الاتفاق لا يتعامل فقط مع الملف الإيراني، بل يحاول إعادة هندسة المشهد الإقليمي كله ، خصوصاً ما يتعلق بجبهة لبنان والصراع بين إسرائيل و”حـ الله ـزب”. واشنطن تسعى لإطفاء كل الجبهات دفعة واحدة، ليس حباً في السلام، بل لأن تعدد ساحات الاشتباك بدأ يهدد النفوذ الأمريكي نفسه في المنطقة.
وفي خضم هذه المعركة السياسية، ظهرت مؤشرات ميدانية توحي بأن التهدئة بدأت تتحرك فعلاً، بعدما رُصدت ناقلة غاز طبيعي تغادر مضيق هرمز باتجاه الهند ، في إشارة فهمتها الأسواق العالمية باعتبارها رسالة طمأنة مبكرة بأن الممر البحري الأخطر في العالم لن يتحول حالياً إلى ساحة حرب مفتوحة.
لكن السؤال الأهم يظل مطروحاً : هل نحن أمام بداية تسوية تاريخية حقيقية؟ أم مجرد هدنة مؤقتة تمنح الجميع فرصة لالتقاط الأنفاس قبل جولة أكثر خطورة؟
لأن التجارب السابقة تقول إن الشرق الأوسط لا يعرف السلام الكامل ، بل يعرف فقط فترات إعادة ترتيب الصراع.



