من ساحات القتال إلى شرايين الحياة .. كيف تدخل المنطقة أخطر مراحل الحرب؟

بقلم : يوحنا عزمي
ما يجري اليوم لم يعد مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف تتبادل الضربات، بل يبدو أنه يقترب من أخطر مراحل الصراعات الحديثة، وهي مرحلة استهداف البنية التحتية. فعندما تصل الأطراف المتحاربة إلى قناعة بأن الحسم العسكري التقليدي أصبح مستحيلاً أو بالغ الكلفة، تبدأ في البحث عن وسائل أخرى لإجبار خصمها على الاستسلام، فتتحول الحرب من استهداف الجيوش إلى استهداف مقومات الحياة نفسها.
هذه المرحلة هي الأكثر خطورة، لأنها لا تنتهي بانتهاء إطلاق النار، بل تظل آثارها لعقود طويلة. فالجسور ومحطات الكهرباء وشبكات المياه والموانئ والمطارات والمصانع ليست مجرد أهداف عسكرية، وإنما هي الأعصاب التي يقوم عليها اقتصاد الدولة وحياة ملايين المدنيين. وتجارب العراق وسوريا تقدم مثالاً واضحاً على ذلك؛ فسنوات طويلة مرت على تدمير أجزاء واسعة من بنيتهما التحتية، ولا تزال آثار ذلك حاضرة في الاقتصاد والخدمات ومستوى معيشة المواطنين.
ومن يتابع تطورات الصراع يدرك أن إيران، بعد تعرضها للهجوم، أصبحت تتعامل مع المعركة باعتبارها قضية وجود وهيبة دولة، وهو ما يجعل احتمالات التراجع أكثر تعقيداً من الحسابات العسكرية البحتة. وفي المقابل، فإن أي توسع في استهداف البنية التحتية الإيرانية قد يقود إلى ردود تستهدف منشآت حيوية لدى خصومها أو لدى دول أخرى في الإقليم إذا اتسع نطاق المواجهة. هذه ليست نبوءة، وإنما سيناريو يحذر منه كثير من المحللين العسكريين عندما تنتقل الحروب إلى مرحلة كسر الإرادة عبر الاقتصاد والخدمات.
الحروب لا تُدار دائماً بمنطق العقل، بل كثيراً ما تقودها حسابات الردع والانتقام والخوف من الظهور بمظهر الضعيف. ولهذا يصبح السؤال الأهم ليس: من هو الأكثر عدالة أو منطقية؟ وإنما: كيف يمكن منع الانزلاق إلى نقطة اللاعودة؟ فالتاريخ مليء بصراعات بدأت محدودة ثم خرجت عن السيطرة لأن كل طرف اعتقد أن التصعيد سيجبر الآخر على التراجع، فإذا بالجميع يدفع الثمن.
والقلق الأكبر هنا يتعلق بدول الخليج العربية. فهذه الدول بنت خلال عقود تجربة تنموية واقتصادية لافتة، تعتمد على بنية تحتية متطورة للغاية، لكنها في الوقت نفسه تعتمد بصورة كبيرة على استمرار عمل هذه المنشآت الحيوية دون انقطاع. ومنشآت تحلية المياه، على سبيل المثال، ليست مجرد مرافق خدمية، بل تمثل شريان الحياة في منطقة تعاني ندرة المياه الطبيعية. وأي استهداف واسع لها ستكون له تداعيات إنسانية واقتصادية بالغة الخطورة. والأمر نفسه ينطبق على منشآت الطاقة والموانئ والمطارات، التي تمثل ركائز الاقتصاد والاستثمار والاستقرار.
إن خسارة هذه المنجزات لن تكون خسارة لدولة بعينها، بل للإقليم بأكمله. فالمنطقة تحتاج إلى مزيد من التنمية والتكامل الاقتصادي، لا إلى سباق جديد في إعادة الإعمار بعد الدمار. وكل دولار يُنفق على إصلاح ما تهدمه الحرب هو في الحقيقة خصم من التعليم والصحة والبحث العلمي وفرص التنمية.
ومن هذا المنطلق، فإن الحفاظ على الاستقرار الإقليمي لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مصلحة سياسية مؤقتة، بل ضرورة استراتيجية تمس حاضر ومستقبل شعوب المنطقة جميعاً. فالنهضة التي حققتها دول الخليج خلال العقود الأخيرة تستحق الحماية، كما أن الشعب الإيراني بما يمتلكه من تاريخ وحضور علمي وثقافي يستحق أن تُوجَّه طاقاته نحو التنمية لا نحو الاستنزاف المستمر.
وربما يبدو هذا الطرح مختلفاً في زمن الاستقطاب الحاد، لكنه ينطلق من قناعة بأن شعوب المنطقة ليست عدواً لبعضها، وأن الحروب مهما طالت لا تصنع مستقبلاً دائماً. ففي نهاية المطاف، أثبت التاريخ أن الجغرافيا لا تتغير، وأن الدول المتجاورة تعود في النهاية إلى الحوار والتعاون لأن المصالح المشتركة أقوى من منطق الصراع الدائم. ولهذا، فإن تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة تستهدف البنية التحتية لم يعد خياراً سياسياً فحسب، بل أصبح ضرورة لحماية مستقبل المنطقة بأسرها، قبل أن تجد جميع الأطراف نفسها أمام خسائر لا يمكن تعويضها بسهولة.



