هل أصبحت الحرب بين إيران وإسرائيل مجرد واجهة لصراع استخباراتي بين القوى العظمى؟

✍️ بقلم : يوحنا عزمي
وسط انشغال الرأي العام بتطورات المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط، تبدو هناك معركة أخرى أكثر هدوءاً وأشد خطورة تدور خلف الكواليس ، معركة لا تُقاس بعدد الصواريخ أو الطائرات المسيرة ، بل بحجم المعلومات الاستخباراتية ، وقدرة كل طرف على اختراق خصمه والوصول إلى أكثر منشآته حساسية. فالحروب الحديثة لم تعد تُحسم بالقوة العسكرية وحدها ، وإنما أصبحت أجهزة الاستخبارات هي اللاعب الأكثر تأثيرًا في رسم مسار الصراعات وتحديد نتائجها.
وفي هذا السياق ، تتجه الأنظار داخل الولايات المتحدة إلى تحقيقات استخباراتية تتناول احتمالات وجود دور روسي في دعم إيران خلال الهجمات الأخيرة التي استهدفت منشآت أمريكية حساسة. ووفقًا لما يتردد في الأوساط السياسية والإعلامية، فإن التساؤلات المطروحة داخل المؤسسات الأمريكية لا تتركز فقط حول كيفية تنفيذ تلك الهجمات، وإنما تمتد إلى سؤال أكثر تعقيداً : كيف حصلت إيران على المعلومات الدقيقة التي مكنتها من الوصول إلى أهداف بهذه الحساسية؟
وهل يعود ذلك إلى تطور قدراتها الذاتية، أم إلى دعم استخباراتي وتقني خارجي؟
هذه الأسئلة تعكس حجم القلق داخل دوائر صنع القرار الأمريكية، لأن الأمر ــ إذا ثبتت صحته ــ لن يكون مجرد تطور في القدرات الإيرانية، وإنما قد يمثل تحولًا في طبيعة الصراع بين موسكو وواشنطن. فالحرب عندئذ لن تكون مواجهة مباشرة، بل صراعاً بالوكالة تستخدم فيه المعلومات الاستخباراتية، والتكنولوجيا العسكرية، والطائرات المسيّرة، لتحقيق أهداف استراتيجية دون الانخراط في مواجهة مفتوحة بين القوتين النوويتين.
وتشير القراءة الأولية لما يتردد حول التحقيقات إلى أن بعض التقديرات الأمريكية تربط بين التطور الذي شهدته الطائرات المسيّرة الإيرانية، خاصة من طراز “شاهد”، وبين خبرات أو تقنيات روسية اكتسبتها طهران خلال السنوات الأخيرة. إلا أن الفارق الجوهري بين الدعم العسكري والدعم الاستخباراتي يظل هو النقطة الأكثر حساسية؛ فبينما يمكن رصد انتقال الأسلحة أو التكنولوجيا بدرجات متفاوتة ، فإن إثبات تبادل المعلومات الاستخباراتية أو بيانات الاستهداف الدقيقة يظل أكثر تعقيداً ، وهو ما يفسر استمرار التحقيقات دون إعلان نتائج نهائية حتى الآن.
ومن منظور استراتيجي، فإن مجرد وجود شكوك داخل واشنطن بشأن تعاون استخباراتي روسي مع إيران قد يكون كافيًا لإعادة صياغة الحسابات الأمريكية تجاه موسكو. فالإدارة الأمريكية تنظر إلى أي دعم يعزز قدرة خصومها على استهداف مصالحها باعتباره تهديدًا مباشراً للأمن القومي، وهو ما قد ينعكس على مستويات التصعيد في ساحات أخرى، وعلى رأسها الحرب الأوكرانية، حيث قد تسعى الولايات المتحدة إلى زيادة الضغط على روسيا عبر توسيع الدعم العسكري والاستخباراتي لكييف، في إطار سياسة الرد غير المباشر.
ومن هنا، يصبح الربط بين ملفات تبدو متباعدة أمرًا أكثر منطقية. فالتوتر في الخليج، والحرب في أوكرانيا ، والتنافس الأمريكي الصيني ، كلها لم تعد ملفات منفصلة كما كانت في السابق، بل أصبحت حلقات في صراع دولي أوسع تتداخل فيه المصالح الاقتصادية والعسكرية والأمنية. ويكفي التذكير بالتصريحات الأمريكية الأخيرة التي تحدثت عن حصول إيران على أشكال مختلفة من الدعم الخارجي، لتتضح ملامح هذا الترابط المتزايد بين مسارح العمليات المختلفة.
وفي خضم هذه التطورات، تتردد معلومات عن تعرض منشآت أمريكية ذات طبيعة استخباراتية في الخليج والعراق لهجمات متزامنة، وهو ما يثير تساؤلات حول طبيعة الرسائل التي أرادت إيران توجيهها، إذا صحت تلك المعلومات. فالاستهداف المتزامن لأهداف حساسة، إن ثبت وقوعه، لا يحمل فقط بعداً عسكرياً ، بل يرسل أيضاً رسالة مفادها أن مراكز جمع المعلومات الأمريكية ليست بمنأى عن التهديد، وهو تطور من شأنه أن يرفع مستوى التوتر إلى درجات غير مسبوقة.
لكن القضية الأهم لا تتعلق بما حدث بالفعل، وإنما بما قد يحدث لاحقًا. فإذا خلصت التحقيقات الأمريكية إلى وجود دعم استخباراتي خارجي مباشر لإيران، فمن المرجح أن تتجه واشنطن إلى تبني خيارات أكثر حدة لمنع طهران من تطوير قدراتها أو إعادة بناء بنيتها العسكرية والاستخباراتية، وهو ما قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التصعيد تتجاوز حدود الضربات المحدودة إلى عمليات أوسع نطاقًا.
وفي المقابل، فإن أي تصعيد من هذا النوع قد يدفع أطرافاً إقليمية أخرى إلى الانخراط بصورة أكبر في الأزمة، سواء بصورة مباشرة أو عبر حلفائها. كما أن خطر اتساع نطاق التهديد للممرات البحرية، وفي مقدمتها مضيقا هرمز وباب المندب، سيظل أحد أبرز المخاوف العالمية، نظراً لما يمثله هذان الممران من أهمية استراتيجية لحركة التجارة والطاقة. ولهذا السبب بدأت عدة دول منذ سنوات في البحث عن بدائل لخطوط الإمداد التقليدية، سواء من خلال إنشاء احتياطيات استراتيجية من النفط، أو الاستثمار في ممرات برية وسككية تقلل الاعتماد على المضائق البحرية في أوقات الأزمات.
وفي تقديري، فإن أخطر ما تكشفه هذه التطورات هو أن الشرق الأوسط لم يعد مركز الصراع بقدر ما أصبح ساحة تنفذ فوقها حسابات القوى الكبرى. فالمواجهة لم تعد بين إيران وإسرائيل وحدهما، ولا بين إيران والولايات المتحدة فقط، وإنما أصبحت جزءًا من منافسة دولية أوسع بين واشنطن وموسكو وبكين، تستخدم فيها الأزمات الإقليمية كأدوات لإعادة رسم موازين القوى العالمية.
ومع ذلك، يبقى من الضروري التمييز بين ما هو مؤكد وما يزال محل تحقيق أو تداول إعلامي. فالكثير من المعلومات المتداولة بشأن طبيعة الدعم الاستخباراتي أو تفاصيل استهداف بعض المنشآت لم تؤكدها السلطات الأمريكية رسميًا حتى الآن، وهو ما يفرض التعامل معها بحذر إلى حين صدور نتائج نهائية أو أدلة موثقة.
لهذا، فإن قراءة المشهد لا ينبغي أن تنحصر في متابعة الأخبار اليومية أو البيانات العسكرية، بل في فهم الصورة الأكبر؛ فكل تطور في الخليج قد يكون مرتبطًا بقرار في موسكو، أو حسابات في واشنطن، أو مصالح في بكين. وعندما تتشابك هذه القوى الثلاث داخل ساحة واحدة، فإن المنطقة كلها تصبح أمام مرحلة تتجاوز مفهوم الحرب التقليدية إلى صراع عالمي متعدد الأدوات، قد تكون الاستخبارات فيه أخطر من الجيوش، والمعلومة أكثر تأثيرًا من الصاروخ.



