من هرمز إلى طوكيو.. كيف تعيد حرب إيران تشكيل موازين القوة في الشرق الأوسط والعالم؟

✍️ بقلم : يوحنا عزمي
بعد يوم واحد فقط من توقيع السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية الدفاع المشترك التي عُرفت إعلامياً بـ«اتفاق مكة»، جاءت الضربات الحوثية على جازان وميناء المخا وعدد من المواقع التابعة للقوات اليمنية المدعومة من الرياض لتطرح سؤالًا أكبر بكثير من مجرد سؤال أمني يتعلق باليمن أو بالسعودية.
السؤال الحقيقي هو: هل نحن أمام بداية مرحلة جديدة في الشرق الأوسط ، بدأت فيها موازين الردع التقليدية في التغير ، وأصبحت دول المنطقة مضطرة إلى إعادة بناء منظومتها الأمنية بعيداً عن الاعتماد الكامل على المظلة الأمريكية؟
المشهد، إذا نظرنا إلى كل واقعة منفردة، يبدو متشعباً إلى حد كبير. حرب مع إيران، مضيق هرمز، هجمات حوثية، اتفاق دفاع سعودي تركي باكستاني، ضعف الين الياباني، تدخل أمريكي نادر في سوق العملات، ومخاوف داخل واشنطن من استنزاف مخزونات الذخائر.
لكن عندما نضع هذه الأحداث بجوار بعضها البعض ، تظهر صورة مختلفة تماماً.
الصورة التي تظهر هي عالم بدأت فيه الحرب تتحول من أزمة عسكرية إقليمية إلى أزمة متعددة الأبعاد، تمتد من الخليج والبحر الأحمر إلى أسواق العملات والسندات ، ومن مخازن الذخيرة الأمريكية إلى حسابات الصين واليابان، ومن أمن السعودية إلى مستقبل الدور الأمريكي نفسه في الشرق الأوسط.
ولفهم هذه الصورة ، علينا أن نبدأ من النقطة التي قد تبدو للوهلة الأولى بعيدة تماماً عن الشرق الأوسط : اليابان.
اليابان ليست مجرد حليف أمريكي في شرق آسيا، وليست مجرد اقتصاد صناعي كبير. اليابان واحدة من أهم حلقات النظام المالي العالمي، وأي اضطراب حاد في الاقتصاد الياباني أو سوق السندات اليابانية يمكن أن ينتقل بسرعة إلى الأسواق الأمريكية والعالمية.
وهنا تكمن أهمية الين.
عندما تضعف العملة اليابانية بصورة حادة، فإن طوكيو تواجه مشكلة مزدوجة: ارتفاع تكلفة الواردات، وفي مقدمتها الطاقة، وزيادة الضغوط التضخمية على الاقتصاد المحلي. وهذه المشكلة تصبح أكثر خطورة عندما تكون اليابان في الوقت نفسه شديدة الاعتماد على إمدادات الطاقة القادمة من الخليج.
وهنا يدخل مضيق هرمز إلى المعادلة.
المضيق ليس مجرد ممر مائي في الخليج، إنه أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. ولذلك فإن استمرار تعطله أو انخفاض حركة ناقلات النفط والغاز عبره لا يعني فقط ارتفاع أسعار الطاقة في الدول المحيطة ، بل يعني انتقال الصدمة إلى اقتصادات بعيدة جغرافياً ، من اليابان إلى أوروبا ثم إلى الولايات المتحدة.
وهذا هو السبب في أن الحرب مع إيران لا يمكن قراءتها باعتبارها حربًا شرق أوسطية فقط.
إنها حرب لها تكلفة مالية عالمية.
اليابان، في هذه الحالة، تصبح واحدة من أكثر الدول تعرضاً للضغط. فإذا ارتفعت تكلفة الطاقة، وضعف الين، وازدادت الحاجة إلى التدخل لدعم العملة ، تصبح السياسة النقدية اليابانية أمام معادلة شديدة التعقيد.
والأكثر إثارة للاهتمام أن واشنطن دخلت بالفعل، بالتنسيق مع طوكيو، في تدخل نادر لدعم الين، في خطوة وصفت بأنها أول تدخل أمريكي من هذا النوع منذ عقود. وتشير التقارير إلى أن وزارة الخزانة الأمريكية استخدمت ما يقارب 5 إلى 10 مليارات دولار لشراء الين ، عبر ترتيبات شاركت فيها مؤسسات مالية أمريكية.
لماذا تهتم واشنطن بكل هذا؟
لأن المشكلة لا تتوقف عند سعر الين.
اليابان من كبار حائزي الأصول الأمريكية، وخاصة سندات الخزانة. ولذلك فإن أي ضغط كبير على اليابان قد يدفعها، نظرياً، إلى إعادة ترتيب جزء من محفظتها الخارجية للحصول على السيولة اللازمة للدفاع عن عملتها أو دعم اقتصادها.
وهنا تبدأ الحلقة الأخطر.
إذا اضطر مستثمر ضخم مثل اليابان إلى بيع كميات كبيرة من سندات الخزانة الأمريكية، فإن زيادة المعروض في السوق يمكن أن تضغط على أسعار السندات وترفع عوائدها. وارتفاع عوائد الخزانة يعني ارتفاع تكلفة الاقتراض على الحكومة الأمريكية نفسها.
وهذا تحديداً هو السيناريو الذي لا ترغب واشنطن في رؤيته في وقت تواجه فيه أصلًا مستويات مرتفعة جداً من الدين العام، بينما تتحمل في الوقت نفسه تكلفة عسكرية متزايدة نتيجة الصراع في الشرق الأوسط.
ومن هنا يمكن فهم لماذا أصبحت استقرار اليابان، بشكل غير مباشر ، جزءًا من حسابات الاستقرار المالي الأمريكي.
بمعنى آخر : واشنطن لا تدعم الين فقط من أجل اليابان.
هي تدعم استقرار منظومة مالية ترتبط بها اليابان، وهذه المنظومة ترتبط بدورها بسوق الخزانة الأمريكية.
وهنا نصل إلى الجانب العسكري من الأزمة.
في واشنطن ، لم يعد السؤال الرئيسي هو : هل تستطيع الولايات المتحدة ضرب إيران؟
بالطبع تستطيع.
الولايات المتحدة تمتلك قدرات عسكرية هائلة، ويمكنها تنفيذ عمليات جوية وصاروخية أكثر كثافة بكثير مما شاهدناه.
لكن السؤال الأصعب هو : إلى متى تستطيع الولايات المتحدة الاستمرار في هذه الحرب دون أن تبدأ تكلفة الاستنزاف في التأثير على قدرتها على خوض صراعات أخرى؟
وهنا تظهر قضية مخزونات الذخائر.
التقارير الأمريكية الأخيرة سلطت الضوء على مخاوف داخل الإدارة والجيش الأمريكي بشأن استهلاك الذخائر، خصوصًا أن واشنطن لا تستطيع أن تتعامل مع إيران وكأنها التحدي العسكري الوحيد أمامها.
هناك الصين وتايوان.
هناك روسيا.
هناك كوريا الشمالية.
وهناك احتمالات صراعات أخرى قد تنفجر بصورة مفاجئة.
ولهذا السبب يصبح كل صاروخ دفاع جوي يتم إطلاقه في الشرق الأوسط جزءًا من حسابات أوسع بكثير.
فالولايات المتحدة لا تدير حرباً واحدة فقط ؛ إنها تدير مخزوناً استراتيجياً يفترض أن يبقى متاحًا لعدة سيناريوهات.
وهذا تحديداً ما ظهر في التقارير المتعلقة بالنقاشات داخل البيت الأبيض حول الحرب مع إيران. فقد أشارت CNN إلى أن رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين ونائب الرئيس جي دي فانس أثارا مخاوف بشأن التصعيد واستهلاك مخزونات الذخائر الأمريكية، في وقت كانت فيه الإدارة تبحث خيارات التعامل مع الحرب.
وهنا يجب أن نفهم الفرق بين «القدرة على خوض الحرب» و«القدرة على تحمل حرب طويلة».
الأولى تمتلكها أمريكا بلا شك.
أما الثانية فهي التي أصبحت محل نقاش.
فالقدرة العسكرية ليست فقط عدد الطائرات والصواريخ الموجودة على الورق، وإنما القدرة على إعادة إنتاجها، وتمويلها، وتعويض ما تم استهلاكه، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مخزون كافٍ لردع الخصوم الآخرين.
وهذا هو المكان الذي تصبح فيه الصين حاضرة حتى في الحرب مع إيران.
إذا استنزفت الولايات المتحدة جزءاً كبيراً من مخزونها الاستراتيجي في الشرق الأوسط، فإن بكين ستقرأ ذلك باعتباره تغيرًا في ميزان القدرة الأمريكية على المدى البعيد.
ومن هنا يمكن تفسير القلق الأمريكي من حرب مفتوحة بلا سقف زمني واضح.
إيران ، من جانبها ، تدرك هذه المعادلة.
وتدرك أن الزمن ليس بالضرورة في مصلحة الطرف الأقوى عسكريًا.
فإذا كانت الولايات المتحدة تستطيع توجيه ضربات هائلة خلال أيام، فإن إيران تراهن على شيء آخر : القدرة على جعل تكلفة استمرار الحرب أعلى من العائد السياسي والعسكري الذي يمكن أن تحصل عليه واشنطن.
وهذا يفسر ، من وجهة نظري ، لماذا أصبحت قضية مضيق هرمز ورقة إستراتيجية تتجاوز بكثير مسألة الملاحة.
المضيق أصبح أداة ضغط اقتصادية وسياسية.
كل يوم يستمر فيه اضطراب حركة الطاقة عبره لا يؤثر فقط على إيران أو دول الخليج، وإنما يضغط على الاقتصاد العالمي، ويرفع تكلفة الطاقة، ويزيد التضخم، ويضع البنوك المركزية في مواجهة معادلات أكثر صعوبة.
وهنا تحديداً تظهر اليابان مرة أخرى.
فالدولة التي تعتمد على استيراد الطاقة تصبح أكثر هشاشة عندما تتعرض طرق الإمداد للخطر ، والعملة تصبح أكثر حساسية، والأسواق تصبح أكثر توتراً.
وبذلك تتحول الحرب من صراع عسكري إلى سلسلة من الصدمات المتداخلة : صدمة طاقة، ثم صدمة تضخم، ثم صدمة عملات، ثم ضغط على السندات، ثم ارتفاع تكلفة الاقتراض ، ثم ضغوط على الحكومات والبنوك المركزية.
وهنا نفهم لماذا يمكن لحدث عسكري في الخليج أن ينتهي تأثيره داخل سوق السندات الأمريكية.
لكن بينما كانت واشنطن تحاول إدارة هذه المعادلة، كانت دول الخليج نفسها أمام سؤال أكثر خطورة : ماذا لو تغيرت درجة الالتزام الأمريكي بالمنطقة؟
حتى لو لم تنسحب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، فإن مجرد شعور دول المنطقة بأن الأولويات الأمريكية بدأت تتحول تدريجيًا نحو الصين يجعلها مضطرة إلى التفكير في بدائل.
وهنا يأتي اتفاق السعودية وتركيا وباكستان.
الاتفاق الذي أُعلن عنه في 7 أغسطس يقوم على مبدأ واضح: الهجوم المسلح على إحدى الدول الثلاث يُعامل باعتباره هجومًا على الجميع، مع تأكيد باكستان وتركيا أن الاتفاق دفاعي وليس موجهًا ضد دولة بعينها، وأن الباب مفتوح أمام دول أخرى.
لكن السياسة لا تُقرأ فقط من خلال البيانات الرسمية.
يجب أن نقرأ أيضاً الظروف التي وُلد فيها الاتفاق.
السعودية تحتاج إلى توسيع شبكة الردع حولها.
تركيا تمتلك قوة عسكرية وصناعية مهمة ، وهي عضو في حلف الناتو.
باكستان تمتلك جيشًا كبيرًا وخبرة عسكرية واسعة ، إضافة إلى عنصر الردع النووي.
وبالتالي ، فإن الجمع بين الدول الثلاث يخلق للمرة الأولى صيغة أمنية ذات وزن إقليمي كبير.
لكن السؤال الأهم ليس : هل الاتفاق قوي؟
السؤال هو: هل يمكن تحويله من اتفاق دفاعي إلى تحالف عسكري حقيقي؟
وهنا تبدأ المشكلة.
لأن التحالفات العسكرية لا تقوم فقط على البيانات والاحتفالات، وإنما على وجود تصور مشترك للتهديد ، وآليات واضحة للقيادة والسيطرة، وقواعد اشتباك ، والتزامات عسكرية محددة.
وهذا كله لا يزال يحتاج إلى وقت.
فتركيا لديها علاقات ومصالح مع إيران.
وباكستان لديها حدود طويلة وحساسة مع إيران، ومصالح أمنية واقتصادية تجعلها شديدة الحذر تجاه أي مواجهة مباشرة معها.
والسعودية نفسها لديها علاقات ومصالح متشابكة مع قوى إقليمية مختلفة.
إذن، لا يوجد حتى الآن عدو مشترك يمكن مقارنته بصورة مباشرة بالتهديد الذي جمع دول الناتو.
ولهذا سيكون من الخطأ اعتبار «اتفاق مكة» نسخة شرق أوسطية من حلف الناتو منذ اللحظة الأولى.
هو خطوة مهمة ، لكنه لا يزال في مرحلة بناء الهيكل السياسي والأمني الذي يمكن أن يتحول لاحقًا إلى تحالف أكثر صلابة.
والدليل على ذلك جاء سريعاً جداً.
فبعد توقيع الاتفاق ، استمرت الهجمات الحوثية.
الهجوم الأخير على ميناء المخا أسفر، وفق السلطات اليمنية، عن مقتل سبعة أشخاص وإصابة 30 آخرين، بينما أعلنت الدفاعات الجوية إسقاط 11 طائرة مسيرة. كما تحدث الحوثيون عن استهداف تجمعات للقوات السعودية ومخازن أسلحة.
كما أفادت تقارير عن هجوم بطائرة مسيرة على منشأة تابعة لأرامكو في جازان واندلاع حريق فيها، وهو ما يعكس استمرار قدرة الحوثيين على إبقاء الجبهة السعودية تحت الضغط.
وهنا يظهر الاختبار الحقيقي للاتفاق.
هل معنى «الهجوم على دولة هو هجوم على الجميع» أن تركيا وباكستان ستدخلان تلقائياً في كل مواجهة تقع داخل اليمن أو على الأراضي السعودية؟
بالطبع لا يمكن افتراض ذلك.
وهنا تحديداً يجب التمييز بين الردع السياسي وبين الالتزام العسكري التلقائي.
فالتحالف قد يمنح السعودية عمقاً سياسياً واستراتيجياً أكبر، وقد يفتح الباب لتعاون دفاعي واستخباراتي وصناعي وعسكري واسع، لكنه لا يعني بالضرورة أن كل هجوم سيؤدي بصورة آلية إلى حرب مشتركة.
وهذه النقطة هي التي ستحدد مستقبل الاتفاق.
أما مصر، فهنا تصبح الحسابات أكثر تعقيداً.
مصر ليست دولة هامشية يمكن تجاهلها في أي منظومة أمن إقليمية. موقعها الجغرافي، وسيطرتها على قناة السويس، ووجودها على البحر الأحمر، وحجم قواتها المسلحة ، وعلاقاتها مع مختلف الأطراف ، يجعلها لاعباً لا يمكن تجاوزه.
والأهم أن القاهرة كانت جزءاً من مشاورات إقليمية أوسع مع السعودية وتركيا وباكستان، وهو ما ظهر في اجتماع وزراء خارجية الدول الأربع في القاهرة في يونيو 2026.
لكن الانضمام إلى تحالف دفاعي ليس قراراً تقنياً.
إنه قرار استراتيجي.
مصر لا يمكن أن تدخل أي ترتيبات عسكرية دون أن تعرف بدقة: من هو الخصم؟ ما هي قواعد الاشتباك؟ وما حدود الالتزام؟ وهل ستدخل القوات المصرية في مواجهة مباشرة مع طرف إقليمي آخر نتيجة حسابات لا تتطابق بالضرورة مع الأمن القومي المصري؟
وهذه ليست أسئلة شكلية.
فأي تحالف أمني ناجح يجب أن يحدد بوضوح ليس فقط «من يحمي من»، وإنما أيضاً «من يقرر متى تبدأ الحرب».
وهنا أصل إلى النقطة الأهم في رأيي.
الشرق الأوسط يدخل بالفعل مرحلة مختلفة.
لكن الخطأ سيكون في تفسير هذه المرحلة باعتبارها مجرد انتقال من نفوذ أمريكي إلى نفوذ تركي أو سعودي أو باكستاني.
ما يحدث أكبر من ذلك.
نحن أمام محاولة لإعادة توزيع مصادر القوة نفسها.
أمريكا لا تختفي من المنطقة، لكنها لم تعد قادرة على التعامل معها باعتبارها المسرح الوحيد الذي يستحق التركيز. الصين أصبحت المنافس الاستراتيجي الأكبر ، وروسيا ما زالت تمثل تحدياً ، والاقتصاد الأمريكي نفسه يفرض قيوداً على قدرة واشنطن على خوض حروب مفتوحة بلا نهاية.
وفي المقابل ، بدأت الدول الإقليمية تفهم أن الاعتماد الكامل على قوة خارجية واحدة يحمل مخاطرة استراتيجية هائلة.
لذلك تتحرك السعودية.
وتتحرك تركيا.
وتتحرك باكستان.
وتراقب مصر.
وتعيد إيران حساباتها.
وفي الخلفية، تتحول الممرات البحرية والطاقة والعملات والسندات إلى أدوات في الصراع نفسه.
وهذه هي الصورة التي لا تظهر عندما ننظر إلى كل خبر بمفرده.
هجوم حوثي على جازان يبدو خبراً عسكرياً.
أزمة الين تبدو خبراً اقتصادياً.
مشكلة مخزونات الذخائر الأمريكية تبدو خبراً عسكرياً أمريكياً.
اتفاق السعودية وتركيا وباكستان يبدو خبراً دبلوماسياً.
لكن الحقيقة أن هذه الملفات بدأت تتقاطع.
مضيق هرمز يضغط على الطاقة.
الطاقة تضغط على اليابان.
اليابان تتأثر بالين.
الين يرتبط بالسياسة النقدية وبالأصول الخارجية.
الأصول اليابانية ترتبط بسوق الخزانة الأمريكية.
سوق الخزانة يرتبط بتمويل الحكومة الأمريكية.
والحرب تستهلك الذخائر الأمريكية.
واستهلاك الذخائر يضغط على قدرة واشنطن على خوض حرب طويلة.
وهذا كله يجعل دول المنطقة تبحث عن بدائل أمنية.
وهكذا نعود مرة أخرى إلى اتفاق مكة.
قد لا يكون الاتفاق تحالفاً عسكرياً مكتمل الأركان حتى الآن.
وقد تكون أمامه خلافات ومصالح متعارضة واختبارات صعبة.
لكنه مع ذلك يحمل رسالة استراتيجية شديدة الأهمية : دول المنطقة بدأت تفكر في أمنها باعتباره مسؤولية يجب ألا تبقى مرتبطة بالكامل بإرادة قوة خارجية واحدة.
ومن هنا ، فإن السؤال الحقيقي ليس هل تراجع الدور الأمريكي غداً ؟
بل : هل بدأت المنطقة بالفعل تستعد لمرحلة يكون فيها الوجود الأمريكي عاملًا من عوامل التوازن ، وليس العامل الوحيد الذي يصنع التوازن؟
وهذا فرق هائل.
لأن التاريخ لا يتغير عادة بقرار واحد أو اتفاقية واحدة.
التاريخ يتغير عندما تتراكم الأحداث الصغيرة إلى درجة تجعل النظام القديم عاجزاً عن استيعابها.
والذي يحدث الآن قد يكون واحداً من هذه اللحظات.
قد تنتهي الحرب مع إيران بتسوية.
وقد يُفتح مضيق هرمز.
وقد يعود الين إلى الاستقرار.
وقد تتراجع الهجمات الحوثية.
وقد يتحول اتفاق مكة إلى مجرد إطار سياسي محدود.
كل ذلك ممكن.
لكن حتى لو انتهت الأزمة الحالية، فإن شيئاً مهماً لن يعود كما كان: الثقة القديمة بأن الولايات المتحدة ستظل دائماً قادرة ومستعدة للتدخل بنفس الحجم وفي كل جبهة وفي كل لحظة.
وهذا وحده كافٍ لدفع القوى الإقليمية إلى إعادة حساباتها.
لذلك، من وجهة نظري ، ما يحدث الآن ليس مجرد حرب جديدة في الشرق الأوسط.
إنه اختبار للنظام الدولي نفسه.
اختبار لقدرة أمريكا على إدارة أكثر من جبهة في الوقت ذاته.
اختبار لقدرة إيران على تحويل الجغرافيا والطاقة إلى أدوات ضغط.
اختبار لقدرة السعودية وتركيا وباكستان على بناء منظومة ردع مستقلة.
واختبار لمصر في كيفية الحفاظ على استقلال قرارها الاستراتيجي وسط عالم تتحول فيه التحالفات بسرعة.
والأهم من كل ذلك أنه اختبار لقدرتنا نحن على قراءة المشهد بعيداً عن العناوين المنفصلة.
لأن أخطر ما يمكن أن نفعله في لحظة كهذه هو أن نرى كل حدث باعتباره حدثًا منفردًا.
الحرب ليست فقط صواريخ.
والتحالفات ليست فقط بيانات.
والاقتصاد ليس منفصلًا عن السياسة.
والعملة ليست منفصلة عن الحرب.
والبحر ليس منفصلًا عن السندات.
وفي عالم اليوم، قد تبدأ شرارة في مضيق هرمز، ثم تظهر آثارها في طوكيو، وبعدها في سوق الخزانة الأمريكية، ثم تعود مرة أخرى إلى الخليج في صورة قرار عسكري أو تحالف أمني جديد.
هذه هي طبيعة العالم الذي ندخل إليه.
عالم تتداخل فيه القوة العسكرية مع القوة الاقتصادية، والجغرافيا مع الطاقة ، والتحالفات مع الأسواق.
ومن لا يقرأ هذه الصورة الكاملة، سيظل يرى الأخبار كقطع منفصلة.
أما من يجمع القطع معاً ، فسيدرك أننا لا نعيش فقط أزمة جديدة في الشرق الأوسط ، بل نشهد أمام أعيننا عملية إعادة تشكيل تدريجية لموازين القوى التي حكمت المنطقة والعالم لعقود.



