مقالات

لقاء العلمين .. هل تدفع مصر ترامب إلى مواجهة نتنياهو لإجباره على تنفيذ مبادرته للسلام؟

✍️ بقلم : يوحنا عزمي

إن اجتماع مسؤول أمريكي رفيع المستوى مع قيادي بارز في حركة حماس داخل مصر، وبحضور مسؤولين مصريين ودوليين معنيين بالملف الفلسطيني، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد لقاء تفاوضي عابر ، بل ينبغي قراءته باعتباره مؤشراً سياسياً بالغ الدلالة على طبيعة المرحلة المقبلة، وعلى الدور الذي تحاول القاهرة أن تلعبه في إعادة تشكيل مسار التفاوض حول غزة والقضية الفلسطينية.

أهمية الاجتماع لا تأتي فقط من هوية المشاركين فيه، وإنما من المكان والتوقيت والظرف الإقليمي الذي ينعقد فيه. فمصر، بحكم موقعها ودورها التاريخي في إدارة الملف الفلسطيني، تبدو حريصة على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف ، بما في ذلك الأطراف التي لا تمتلك الولايات المتحدة معها قنوات سياسية مباشرة بالمعنى التقليدي. وهنا تحديداً تظهر أهمية الدور الذي تلعبه المؤسسات المصرية المعنية بالملفات الأمنية والسياسية الحساسة ، والتي تمتلك خبرة طويلة في إدارة الاتصالات غير المباشرة بين الأطراف المتصارعة.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم اللقاء باعتباره محاولة مصرية لإعادة وضع العملية السياسية على مسار مختلف ؛ مسار لا تكون فيه إسرائيل الطرف الذي يحدد وحده سقف التفاوض وشروطه ونتائجه ، وإنما تصبح أمام مسار تفاوضي تشارك فيه الولايات المتحدة ومصر وحماس وأطراف أخرى، بما يجعل أي تعطيل أو رفض لاحق من جانب الحكومة الإسرائيلية أكثر وضوحاً أمام الإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي.

وهنا تظهر الزاوية المصرية بوضوح. القاهرة لا تبحث فقط عن وقف إطلاق النار أو الوصول إلى اتفاق مرحلي، وإنما تحاول، على ما يبدو، خلق بيئة سياسية تجعل تنفيذ أي مبادرة أمريكية مرتبطاً بمواقف الأطراف كافة ، وليس بموقف طرف واحد. فإذا كانت الإدارة الأمريكية قد طرحت تصوراً لإنهاء الحرب وترتيب مرحلة  ما بعد الحرب، وكانت حماس مستعدة للدخول في مسار تفاوضي بشأن هذا التصور ، فإن السؤال المنطقي الذي سيُطرح لاحقاً هو: أين تكمن العقبة الحقيقية أمام التنفيذ؟

وهذا السؤال تحديداً هو ما يمكن أن يشكل ضغطاً سياسياً على حكومة بنيامين نتنياهو.

فمصر تدرك أن نقل الخلاف من كونه خلافاً أمريكياً ـ فلسطينياً أو إسرائيلياً ـ فلسطينياً إلى كونه خلافاً داخل المعسكر الأمريكي نفسه، بين رؤية تطرحها إدارة ترامب وحكومة إسرائيلية تضع شروطًا تحول دون تنفيذها ، يغير طبيعة المعادلة بالكامل. لأن واشنطن عندما تكون صاحبة المبادرة، فإن فشل المبادرة لا يعود مجرد فشل في التفاوض، وإنما يتحول تدريجياً إلى اختبار مباشر لمدى قدرة الولايات المتحدة على فرض رؤيتها على أقرب حلفائها.

وهنا نصل إلى الزاوية الأكثر حساسية في المشهد : حركة حماس.

من الخطأ النظر إلى أي انفتاح تفاوضي من جانب حماس باعتباره مجرد تنازل سياسي ، كما أنه من الخطأ في الوقت نفسه اعتباره انتصاراً نهائياً لها. الواقع أكثر تعقيداً. فالحركة، مثل بقية الأطراف، تحاول التفاوض من موقع يحافظ على أكبر قدر ممكن من أوراق القوة المتبقية لديها، بينما تحاول مصر في المقابل الوصول إلى صيغة تفاوضية أوسع تضمن عدم انهيار الجبهة الفلسطينية إلى مواقف متعارضة يمكن لإسرائيل استغلالها.

وهذه النقطة بالذات شديدة الأهمية، لأن أحد أخطر عناصر القوة في أي مفاوضات هو وحدة الموقف التفاوضي. وكلما تعددت المواقف الفلسطينية وتعارضت، أصبحت مهمة الطرف الإسرائيلي أسهل في إدارة التناقضات واستثمارها سياسياً. أما إذا أمكن الوصول إلى قدر من التنسيق الفلسطيني حول القضايا الأساسية، فإن هامش المناورة أمام سياسة “فرق تسد” يضيق بصورة كبيرة.

ومن هنا يمكن فهم الإصرار المصري على لعب دور الوسيط الذي لا يكتفي بنقل الرسائل، وإنما يحاول هندسة المسار التفاوضي نفسه.

لكن تبقى الزاوية الأخطر هي زاوية دونالد ترامب نفسه.

فالرئيس الأمريكي لا يتعامل مع ملف الشرق الأوسط باعتباره ملفاً خارجياً منفصلًا عن صورته السياسية ومشروعه الدولي. وعندما ترتبط مبادرة سياسية باسمه شخصياً ، فإن نجاحها أو فشلها يتحول إلى جزء من رصيده السياسي. ولذلك فإن السؤال الذي يمكن أن يفرض نفسه على الإدارة الأمريكية هو: إذا كانت واشنطن قادرة على جمع الأطراف والتفاوض معها ، فما الذي يمنع تنفيذ الاتفاق؟

إذا أصبحت الإجابة هي أن المشكلة تكمن في رفض الحكومة الإسرائيلية أو في وضعها شروطاً تتعارض مع التصور الأمريكي، فإن القضية تنتقل من مجرد خلاف حول تفاصيل اتفاق إلى اختبار لهيبة الولايات المتحدة نفسها.

وهذا تحديداً هو السيناريو الذي يجعل المسألة أكثر حساسية بالنسبة لترامب.

فالولايات المتحدة لا تستطيع أن تقدم نفسها باعتبارها القوة القادرة على إنهاء الحروب وصناعة التسويات ، ثم تبدو عاجزة   عن إقناع حليف رئيسي بتنفيذ صيغة سياسية طرحتها الإدارة الأمريكية نفسها. وفي نظام دولي يشهد أصلًا تراجعاً تدريجياً لفكرة الهيمنة الأمريكية المنفردة، فإن مثل هذه الصورة قد تكون لها تكلفة تتجاوز حدود الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.

الأمر يتعلق بمصداقية القوة الأمريكية كوسيط وضامن وشريك في الاتفاقات الدولية.

وهنا تظهر الصين أيضاً في خلفية المشهد، ليس باعتبارها طرفاً مباشراً في هذا الاجتماع ، وإنما باعتبارها منافساً استراتيجياً للولايات المتحدة نجح خلال السنوات الأخيرة في تقديم نفسها في بعض الملفات باعتبارها قادرة على لعب دور الوسيط السياسي، كما حدث في التقارب السعودي ـ الإيراني. ولذلك فإن واشنطن تتحرك اليوم في بيئة دولية مختلفة عن البيئة التي كانت موجودة قبل عقد أو عقدين ؛ بيئة أصبح فيها فشل الوساطة الأمريكية يفتح المجال أمام قوى أخرى لتقديم نفسها باعتبارها أكثر قدرة على إنتاج التفاهمات.

لكن من الضروري هنا عدم الوقوع في المبالغة أو التعامل مع هذا السيناريو باعتباره نتيجة حتمية.

فمجرد وجود اتصالات أمريكية مع حماس، أو وجود تحرك مصري مكثف، لا يعني بالضرورة أن مواجهة سياسية بين ترامب ونتنياهو أصبحت وشيكة. السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل شديدة التعقيد، وتتداخل فيها اعتبارات أمنية واستراتيجية وانتخابية ومؤسساتية وجماعات ضغط ومصالح طويلة الأمد. ولذلك فإن قدرة القاهرة على دفع واشنطن نحو الضغط على إسرائيل موجودة، لكنها ليست مضمونة النتائج.

والأخطر من ذلك أن الوقت نفسه قد يتحول إلى أداة تفاوضية.

فإذا دخلت الأطراف في جولات جديدة من المفاوضات من دون آليات واضحة لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، فقد يتحول التفاوض من وسيلة للوصول إلى تسوية إلى وسيلة لإدارة الوقت. وهذه هي النقطة التي يجب مراقبتها بعناية خلال المرحلة المقبلة: هل نحن أمام مفاوضات هدفها الوصول إلى اتفاق قابل للتنفيذ ، أم أمام مفاوضات مفتوحة تسمح لكل طرف بإعادة ترتيب أوراقه ميدانياً وسياسياً بينما تستمر الاجتماعات والاتصالات؟

هذه المسألة تحديداً هي التي ستحدد قيمة التحرك المصري.

فإذا نجحت القاهرة في تحويل الاتصالات الحالية إلى التزامات سياسية واضحة، وأقنعت الإدارة الأمريكية بأن تنفيذ المبادرة مسؤولية جماعية لا يمكن لطرف واحد تعطيلها، فإنها تكون قد حققت تقدماً استراتيجياً مهماً. أما إذا انتهت العملية إلى جولة جديدة من الوعود والتأجيلات دون تغيير حقيقي على الأرض، فإن ذلك يعني أن عامل الوقت ما زال يعمل لصالح الطرف الأكثر قدرة على فرض وقائع جديدة.

وفي النهاية، فإن اجتماع العلمين ـ إذا تأكدت تفاصيله ومخرجاته ـ لا ينبغي قراءته فقط من خلال السؤال التقليدي: هل سينجح في وقف الحرب أم لا؟ السؤال الأهم هو: من الذي يملك القدرة على تحويل التفاهمات السياسية إلى واقع ميداني؟

فالمعادلة الحالية لا تدور فقط حول غزة، وإنما حول مستقبل الدور المصري، ومكانة الولايات المتحدة كقوة قادرة على فرض تسوية، وحدود قدرة الحكومة الإسرائيلية على مخالفة الرؤية الأمريكية، ومستقبل الموقف الفلسطيني الموحد ، وكل ذلك في ظل نظام دولي تتغير فيه موازين القوة بسرعة.

ولهذا فإن المرحلة المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً لكل الأطراف. فإذا استطاعت مصر أن تجمع الأطراف حول صيغة تفاوضية قابلة للتنفيذ، وإذا قررت واشنطن استخدام نفوذها الفعلي للضغط من أجل تنفيذها ، فقد نشهد تحولًا مهماً في مسار الأزمة. أما إذا استمرت المفاوضات بينما تستمر الوقائع على الأرض في التغير، فإن الخطر الحقيقي سيكون أن يصبح التفاوض نفسه غطاءً لإدارة الأزمة بدلًا من حلها.

وهنا تكمن أهمية ما يحدث في مصر الآن: ليس لأن اجتماعاً واحداً يستطيع تغيير مسار حرب كاملة ، وإنما لأن طبيعة الأطراف المجتمعة وطبيعة الاتصالات التي تجري خلف الأبواب المغلقة قد تكشف إلى أي اتجاه تتحرك المعادلة السياسية في المرحلة القادمة؛ نحو تسوية حقيقية ، أم نحو جولة جديدة من إدارة الصراع وتأجيل الانفجار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى