مقالات

ترامب يحاصر إيران اقتصادياً .. فهل تختار طهران الاستسلام أم تفجير مفاجأة تقلب المشهد؟

✍️ يوحنا عزمي

السؤال الذي بدأ يفرض نفسه بقوة على المشهد الآن لم يعد متعلقاً بما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على ممارسة ضغط اقتصادي هائل على إيران ، وإنما أصبح أكثر ارتباطاً بطبيعة الرد الإيراني المتوقع على حرب اقتصادية شاملة تبدو واشنطن مصممة على تحويلها إلى أداة لإخضاع طهران وإجبارها على القبول بشروطها.

فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصف الحملة الاقتصادية التي تستهدف إيران بأنها تكاد تكون بلا سابقة في التاريخ، وهو توصيف يكشف حجم الرهان الأمريكي على سلاح العقوبات باعتباره البديل الأكثر كفاءة ، والأقل تكلفة من وجهة النظر الأمريكية ، عن الذهاب إلى حرب عسكرية مفتوحة قد لا تكون واشنطن قادرة على التحكم في مساراتها أو نتائجها.

المسألة هنا لا تتعلق بمجرد عقوبات اقتصادية إضافية تفرضها الولايات المتحدة على دولة خصم، وإنما بمحاولة بناء منظومة ضغط شاملة تستهدف قدرة الاقتصاد الإيراني على الحركة والبقاء، من خلال خنق مصادر الدخل، وتعطيل حركة التجارة ، وتقييد تصدير النفط، وتجفيف القنوات المالية ، ودفع أكبر عدد ممكن من الدول إلى الانضمام إلى هذه الحملة أو على الأقل الامتناع عن توفير منافذ بديلة لطهران. وهذا هو تحديداً ما يجعل المواجهة الحالية أكثر خطورة من مجرد صراع أمريكي إيراني؛ لأن واشنطن لا تريد أن تتحمل وحدها تكلفة هذه الحرب الاقتصادية، بل تسعى إلى تحويلها إلى مسؤولية دولية مشتركة.

وهنا تظهر روسيا والصين وغيرهما في قلب المعادلة. فالمطلوب أمريكيًا ليس فقط أن تلتزم الدول الغربية بالعقوبات ، وإنما أن تتوقف الدول التي تمتلك علاقات اقتصادية واستراتيجية مع إيران عن توفير أي شريان حياة يمكن أن يسمح للاقتصاد الإيراني بتجاوز الحصار. ومن هذا المنطلق جاء التهديد الأمريكي بفرض عقوبات قاسية على من يرفض المشاركة ، وفق منطق سياسي شديد الوضوح: من ليس معنا في هذه الحرب الاقتصادية سيكون في الجانب الآخر منها.

وهذا المنطق ، إذا نجحت واشنطن في فرضه عمليًا، يمكن أن ينقل المواجهة إلى مستوى مختلف تماماً. فالقوة الحقيقية للحرب الاقتصادية لا تأتي فقط من حجم العقوبات الأمريكية، وإنما من قدرتها على إقناع الآخرين بأن مخالفة واشنطن ستكون أكثر تكلفة من الالتزام معها. وعندما تتحول العقوبات من قرار أمريكي إلى شبكة دولية واسعة، فإن مساحة المناورة أمام الدولة المستهدفة تضيق بصورة هائلة، حتى لو كانت تمتلك حلفاء كباراً وقادرين على تقديم بعض الدعم.

ولذلك فإن الحرب الاقتصادية الشاملة ربما تكون من أكثر أشكال الصراع الدولي قسوة، ليس لأنها تستخدم القنابل والصواريخ، وإنما لأنها تستهدف مقومات الحياة اليومية نفسها. الحرب العسكرية قد تكون واضحة في أهدافها وحدودها ، وقد يكون بالإمكان تحديد ساحاتها وأطرافها، أما الحصار الاقتصادي الشامل فيمكن أن يتسلل إلى كل بيت ، وإلى أسعار الغذاء والطاقة والدواء ، وإلى الوظائف والاستثمارات وقيمة العملة والقدرة على الاستيراد والتصدير. وفي النهاية لا يدفع النظام وحده ثمن المواجهة ، وإنما يدفع المجتمع بأكمله جانباً كبيراً من فاتورتها.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى في الحسابات الأمريكية. فترامب يبدو أنه وجد في الحرب الاقتصادية البديل الذي كان يبحث عنه خلال الأيام الماضية لتجنب التورط في حرب عسكرية مباشرة مع إيران، خصوصاً بعد تعثر الوصول إلى اتفاق يلبي الشروط والمطالب الأمريكية. فمن منظور واشنطن، الحرب الاقتصادية تحقق قدراً كبيرًا من الضغط دون أن تستدعي بالضرورة إرسال قوات برية أو فتح جبهات عسكرية واسعة، ودون المخاطرة الفورية بسقوط المنطقة كلها في حرب إقليمية يصعب التنبؤ بمداها.

فالخيار العسكري ضد إيران ليس ضربة يمكن تنفيذها ثم العودة بسهولة إلى نقطة الصفر. إيران دولة واسعة ، وتمتلك قدرات صاروخية وطائرات مسيرة وشبكة من الحلفاء والنفوذ الإقليمي، وأي هجوم مباشر عليها قد يفتح سلسلة من ردود الأفعال تمتد من الخليج إلى العراق وسوريا ولبنان وربما أبعد من ذلك. وقد تتحول الضربة المحدودة إلى مواجهة متصاعدة لا يستطيع أي طرف ضمان نهايتها. وفي هذه الحالة لن تكون الولايات المتحدة وحدها أمام خطر دفع ثمن الحرب، بل سيكون شركاؤها الإقليميون أيضاً في مرمى التداعيات.

أما العقوبات ، فبالنسبة إلى واشنطن، تبدو أكثر قابلية للتحكم. فهي تسمح لها بممارسة الضغط من مسافة بعيدة ، وتجنبها جزءًا كبيراً من الخسائر البشرية والسياسية التي قد تنتج عن حرب مباشرة، كما تمنحها فرصة اختبار مدى قدرة إيران على الصمود قبل اتخاذ قرار أكثر خطورة.

لكن السؤال الحقيقي يبدأ من هنا: ماذا يحدث عندما تجد إيران نفسها أمام حصار اقتصادي لا يترك لها مساحة كافية للمناورة؟

هل يمكن أن تختار طهران الاستسلام، وتقبل بالشروط الأمريكية تحت ضغط الانهيار الاقتصادي، أم أنها ستعتبر أن الخضوع لهذا النوع من الضغوط يعني في النهاية فقدان قدرتها على اتخاذ القرار المستقل، وبالتالي ستختار التصعيد مهما كانت تكلفته؟

الموقف الإيراني يبدو شديد التعقيد. فإذا تراجعت صادرات النفط بصورة حادة، وانكمشت الإيرادات الحكومية، وتراجعت قدرة إيران على الوصول إلى النظام المالي العالمي ، فإن الضغط لن يبقى سياسيًا على القيادة فقط، وإنما سينتقل تدريجياً إلى المجتمع الإيراني. ومع مرور الوقت، يمكن أن تتحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة اجتماعية وسياسية، وهو تحديدًا السيناريو الذي تراهن عليه أي استراتيجية عقوبات طويلة الأمد: أن يصل الضغط الداخلي إلى نقطة يصبح معها استمرار الدولة في موقفها الخارجي أكثر تكلفة من تقديم تنازلات.

لكن المشكلة أن إيران ليست دولة بلا أوراق. وحتى إذا كانت الخيارات الاقتصادية أمامها محدودة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن خياراتها السياسية والاستراتيجية معدومة. والدولة التي تشعر بأنها تُدفع تدريجياً نحو الاختناق قد لا تختار دائمًا طريق التراجع؛ أحيانًا يمكن أن يدفعها الإحساس بالخطر الوجودي إلى خيارات أكثر خطورة.

وهنا يصبح السؤال الأكثر أهمية ليس: هل تستطيع إيران تحمل العقوبات؟ وإنما: إلى أي نقطة تستطيع إيران تحملها قبل أن تقرر تغيير قواعد اللعبة؟

فإذا شعرت القيادة الإيرانية أن الهدف النهائي ليس مجرد إجبارها على تقديم تنازلات محددة ، وإنما إضعاف الدولة إلى حد يجعلها عاجزة عن حماية مصالحها ونفوذها ومستقبل نظامها، فقد تصبح حسابات الرد مختلفة تماماً. وفي هذه الحالة قد تبحث طهران عن نقاط ضعف في النظام الدولي نفسه ، وعن وسائل تجعل تكلفة الضغط عليها مرتفعة بالنسبة إلى خصومها، بدلًا من محاولة تحمل الضغوط بصمت.

وهذا هو الجزء الأكثر غموضاً في المشهد.

العالم الآن ينتظر أن يعرف كيف سترد إيران، لأن الرد لن يكون بالضرورة اقتصادياً بالمفهوم التقليدي. وقد يكون سياسياً أو دبلوماسياً أو إقليمياً، وقد يأتي في صورة خطوات محسوبة بعناية، أو في صورة ردود أكثر حدة مما يتوقعه كثيرون. وفي كل الحالات، فإن طبيعة الرد الإيراني ستتحدد إلى حد كبير وفق تقدير القيادة الإيرانية لمستوى الخطر الذي تواجهه ، وما إذا كانت ترى أن الوقت ما زال يسمح بالمناورة أم أن المعركة دخلت مرحلة كسر الإرادات.

والأخطر أن الحصار الاقتصادي عندما يصل إلى مراحله القصوى  قد يصبح سلاحاً ذا حدين. فكلما ارتفع مستوى الضغط ، ارتفع في المقابل احتمال أن تلجأ الدولة المحاصرة إلى إجراءات أكثر جرأة لتغيير المعادلة. وبالتالي فإن نجاح واشنطن في إغلاق المنافذ الاقتصادية أمام إيران قد لا يعني بالضرورة نهاية المواجهة، بل ربما يكون بداية مرحلة جديدة منها.

إيران الآن تقف أمام واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخها الحديث. أمامها طريق التفاوض وتقديم تنازلات قد تكون مؤلمة سياسياً ، وطريق الصمود في مواجهة حصار اقتصادي طويل، وطريق التصعيد الذي قد يعيد تشكيل قواعد الاشتباك بالكامل. ولا يبدو أن أيا من هذه الخيارات سهل أو مضمون النتائج.

ولهذا فإن الأيام المقبلة لن تكون مجرد اختبار لقدرة الاقتصاد الإيراني على تحمل العقوبات، وإنما ستكون اختباراً لقدرة النظام الإيراني على اتخاذ القرار تحت ضغط استثنائي، واختباراً في الوقت نفسه لقدرة الإدارة الأمريكية على إدارة استراتيجية الضغط دون أن تتحول من وسيلة لإجبار إيران على التراجع إلى شرارة مواجهة أكبر مما أرادتها واشنطن أصلًا.

في النهاية ، قد تسود الحكمة ، وقد تنتصر حسابات العقل والبراغماتية، وقد يذهب الطرفان إلى تسوية تحفظ لكل منهما جزءًا من ماء الوجه. لكن في لحظات الأزمات الكبرى، لا يمكن بناء التوقعات على أفضل السيناريوهات وحدها. فإذا شعرت إيران أن الخناق يضيق حولها إلى درجة تهدد قدرتها على البقاء والمناورة، فإن احتمال أن تختار مفاجأة خصومها برد غير متوقع سيظل قائمًا.

ولهذا تحديداً ، فإن العالم لا يراقب الاقتصاد الإيراني فقط، وإنما يراقب القرار الإيراني نفسه ؛ لأن اللحظة التي ترى فيها طهران أن تكلفة الصمت أصبحت أكبر من تكلفة الرد ، قد تكون اللحظة التي تنتقل فيها المواجهة كلها إلى مرحلة جديدة لا يستطيع أحد أن يضمن مسبقًا حدودها أو نتائجها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى