ابداعات

بخير ولكن ليس على طاولتي…

بقلم – جلال الدين محمد 

 

أحدهم يعد بتوزيع عشرات الكيلو جرامات من البطيخ احتفالًا بوصوله، ورجل تُقسم زوجته أنه لم ينظر لها نظرة بهذا الحب الذي ينظر به إلى خبر قرب وصوله، حتى أن السيدة الأولى في “تركيا” غردت على مواقع التواصل الاجتماعي “صلاح… إن شاء الله”.

 

جد تغلبه دموع الأطفال حين يراه بقميص الفريق الذي فُتن به في صباه، ومطار يعج بطوفان من الشباب الذي جهزوا مراسم استقبال ملكية، وملعب يمتليء عن آخره لتقديم التحية، هكذا استقبلت تركيا أهم لاعب كرة قدم مسلم في الوقت الحالي محمد صلاح.

 

كم من المشاعر والذكريات تربطني بهذا الرجل، فهو الجناح المهزوز الذي رأيته مع منتخب الشباب وكنت غاضبًا عليه لأنه يضيع مجهود محمد إبراهيم أهم لاعبي ذلك المنتخب وقتها، لا أعرف حتى أين يلعب محمد إبراهيم حاليًا.

 

وهو الذي وقف مكسورًا حين سُحق المنتخب الوطني أمام غانا بسداسية في يوم العيد، وحين رحل إلى سويسرا شعرنا بالفخر به حين تجنب مصافحة لاعبين من الكيان الصهيوني بذكاء رأيناه وقتها، تغير رأيي في مواجهتهم رياضيًا عن وقتها بالطبع.

 

“صلاح” الذي جعل المصريون من غير متابعي الدوري الإيطالي بانتظام يعرفون أن هناك فريقًا يُسمى “فيورنتينا” ويرتدون قميصه الذي يحمل الرقم 74 في كل مكان. وشارك الكثيرون صوره وهو يحمل المصحف حين انتقل إلى “روما” باحثًا عن مجد أكبر.

 

جعلني أتجنب قول أني أحب “تشيلسي” الذي كنت أتابعه من العام 2007؛ حتى لا يُقال أني مُحدث في تشجيع الدوري الإنجليزي. حزنت عليه حين أخفق في تلك التجربة، ولكن يا للجنون الذي عشناه في سنوات ليفربول التسع معك يا “صلاح”!

 

أعرف جيدًا أننا كنا نحتفل إذا وجدنا لاعبًا مصريًا على مقاعد البدلاء مع فريق ينافس على تجنب الهبوط في أحد الدوريات الأوروبية، فجعلتنا نرى واحدًا منا هدافًا لأقوى دوري في العالم، وأفضل لاعبيه، واسمه يذكر من بين أفضل لاعبي العالم، بل أني على قناعة تامة أن جائزة الأفضل في العالم قد سُرقت من “صلاح” في مناسبتين كان فيهم الأفضل بحق من الجميع.

 

أذكر ذلك الشخص المزعج الذي كان يلتصق بالشاشة في مباريات ليفربول الأوروبية ولا يتوقف عن الصراخ على جميع لاعبي ليفربول من أجل تمرير الكرة إليه، ولا ذلك اليوم الذي لم اتمكن فيه من مشاهدة كلاسيكو الأرض لأن الجميع أراد مشاهدة صلاح مع ليفربول أمام نوريتش سيتي متذيل الدوري الإنجليزي.

 

حلم كأس العالم الذي كان كابوسًا للمصريين على مدار عقود، تحقق مع أبي مكة في 2017، لا انسى الصرخة التي خرجت من أعماق قلبي حين سجل هدف التأهل، ولا جنون الناس في الشوارع، وصوت مدحت شلبي وهو يبكي من الفرحة.

 

الناس وقتها أهدروا دماء “راموس” قائد ريال مدريد حين تسبب في إصابة “صلاح”، وصار وقتها ملعونًا في مصر قبل كأس العالم، الذي كانت مشاركتنا فيه كارثية على أي حال.

 

نظرت لهذا الرجل الذي أتى من أرياف مصر على أنه واحد منا، يمثل حلم كل شاب مصري، فخر لكل شاب عربي، دافعت عنه في عشرات المناقشات ودخل مشاجرات مع محبي كرة القدم لأجله، فقد كان الأفضل في نظري.

 

تجمع مشجع كرة القدم علاقة حب وارتباط عميق بلاعبيه المفضلين، هذا الأمر من الصعب شرحه لغير محبي هذه الرياضة، وعلاقتي بصلاح تلقت طعنة نافذة في القلب حين خذلني في وقت انتظرت منه فيه الشيء الكبير.

 

كان اخوتنا يُذبحون وقرر “صلاح” أن كل الأرواح مقدسة، كان العدو يشرب من دمائهم بحور على مرأى ومسمع العالم، ورأي “صلاح” أن مشاركة يومياته بشكل طبيعي أهم من الحد الأدنى من كلمات التضامن.

 

شركة المشروبات الغازية “بيبسي” قررت دعم مرتكبي الإبادة، ولم يمتلك “صلاح” القدرة على إنهاء التعاقد التجاري معها، في وقت كنا نصرخ فيه؛ من أجل مقاطعة هذا المُنتج نُصرة لإخواننا.

 

أهل غزة أحبوك أيضًا يا “صلاح” افتخروا بك، وجن جنونهم مع كل هدف لك، ألا يستحقوا منك حتى الحد الأدنى من الدعم والنصرة؟! الشيء الذي قدمه الكثير من أهل البلد التي تمارس فيها كرة القدم، وهم لا يربطهم بأهل غزة دين ولا قضية!

 

وجدت أصابعي تتحرك دون أن أشعر لتحظر “صلاح” على مواقع التواصل الاجتماعي، أصبحت أشعر بغصة بدل من الفخر حين أراه يلعب، أو تذكرني مواقع التواصل الاجتماعي بما كنت أنشره عنه في سنوات مضت.

 

لا أستطيع أن أصف ما شعرت به حين رأيت “صلاح” يحظى بكل هذا الحب في تركيا، ولكن هل تعلم ذلك الشعور الذي ينتابك تجاه صديق كان أقرب الناس إليك، وخذلك في موقف احتجته فيه أكثر من أي وقت؟

 

هذا هو شعوري بالتحديد، أو شيء قريب منه. هو بخير لا بأس، لكني لا أهتم. فلتكن بخير يا “صلاح” ولكن يا خسارة ليس على طاولتي، يا رفيق ذكريات مراهقتي وبداية شبابي!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى