الذات المنكسرة على لسان راسكولنيكوڤ

أحمد المقدم
صعبة هي الحياة عندما نتعافى من آثام الماضي، يظن راسكولنيكوڤ ذلك بينما يتطهر من إثمه في صقيع سجون سيبيريا، ولكن الرب قد منحنا فرصة لذلك الفضل. أم أن مصير أليونا إيڤانوڤنا، العجوز المرابية كان أفضل له كي يذهبا معا إلى عدالة الآخرة؟ لقد كانت ضربتا راسكولنيكوڤ على رأس تلك الشمطاء تمثلان الانتقام من عدالة الجاني، تلك العدالة التي يفرضها على الضحية.
أي عدالة تلك التي تغرس مخالبها في صدر مجني عليه أبى إلا أن يغرس فأسه في زيف ذلك المجتمع؟ لم يقتل راسكولنيكوڤ سوى المجتمع الذي قد كسره مرات ومرات. لم يكن سوى جلاد القدر الذي سلطه على آثام المجتمع.
فالمجتمع مجرم عندما أحال سونيا إلى عاهرة، وعندما أوقع دونيا في شراك لوزين الذي لم يكن سوى فضلات مجتمع زائف، وعندما قهر اليكساندرا رسكولنيكوڤا فكان يداعب روحها الموت كمدا في كل لحظة افتقدت فيها وليدها الكادح.
هؤلاء هم الأنقياء، يئنون تحت وطأة ضمير لا يرحم لإثم يرتكبونه وقد لا يعلمون أن بعض الإثام ليست سوى طعنات في ظهر ظلم مجتمع قد يشن حروبا ضروسا ينتصر فيها عندما يفرض علينا الاستسلام بأن نتجرع من خمر زيفه حتى نصير كمثل هؤلاء الذين ينعمون في عدالته الجائرة.
لقد فلق رأس تلك الشمطاء، فقتل ظلما وجورا يتقيؤه المجتمع على المنكسرين ممن أسلموا جوارحهم على قارعة عهره، ولكنه لم يبث سمومه في قلوبهم الصامدة. لقد كان فأس راسكولنيكوڤ هو بكاء من يذرفون دموع التمرد ويزفرون زفرات الرفض لظلم المجتمع في خضم بكاء إذ يتجرعون مرارة تمييزهم كمنبوذين بين زبانية المجتمع الزائف.
أما راسكولنيكوڤ، ذلك الفتى الشجاع،
فقد حملت تلك الليلة الموعودةوقتما اختبأ داخل معطفه من أعين المجتمع حاملا شعارا واحدا “الحرب خدعة” فكم خدعنا ذلك المجتمع بمباديء عفنة يريد بها أن يقتل فطرتنا، فقد حملته أنفاس الأنين و أبحر سفينته فوق دموع هؤلاء، في رحلة لن يأتي منها خالي الوفاض، وإنما بنصر ستحيل نشوته حياته إلى جحيم مقيم يكون فيه هو المخلص لهؤلاء ظلم مجتمع مستبد وغطرسة عدالة حمقاء قد جعلت الجاني شريفا وقت أن علقت الأبرياء من إراداتهم بخطاطيف الفقر والعوز فكان نزعها الدامي جريمة، نعم ذلك مفاد صنيع المجتمع. فلا الجريمة سوى انفجار لغضب من تمردوا على ظلم العدالة الجوفاء ولا كان العقاب سوى عاصفة قد مرت وبقى الصامدون.
فإذا كان المجتمع قد نكّل بقلوب أحبت الحياة وصدقت في وعودها بالبقاء على درب النقاء، فإن فأس راسكولنيكوڤ هو تلك الصرخات التى شقت رأس العجوز كي تخط للمجتمع رسالة في رأسها الذي يحمل أفكاره الصدأة، رسالة تحمل في طياتها صرخة في كلمة “
وهي… “كفى



