باب المندب في قلب صراع النفوذ .. ولماذا يجب أن تبقى مصر خارج مستنقع اليمن؟

✍️ يوحنا عزمي
ما يجري في اليمن وباب المندب لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تطور عسكري جديد داخل الحرب اليمنية، لأن الموقع الجغرافي وحده كفيل بأن يجعل أي تغيير في ميزان القوة هناك قضية تتجاوز حدود اليمن، وتمتد إلى البحر الأحمر وقناة السويس والتجارة العالمية، بل وإلى صراع النفوذ الدولي بين القوى الكبرى.
وبحسب الرواية المتداولة والمنسوبة إلى وكالة رويترز، فإن الحوثيين تمكنوا من السيطرة على جزيرة ميون الاستراتيجية، وهو تطور ـ إذا تأكدت تفاصيله ميدانياً ـ سيكون بالغ الأهمية، لأن ميون تقع عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر ، بالقرب من مضيق باب المندب ، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
لكن السؤال الأهم ليس فقط : من يسيطر على الجزيرة؟
السؤال الحقيقي هو: لماذا أصبحت اليمن وباب المندب تحديداً جزءًا من لعبة نفوذ دولية أكبر بكثير من حدود الصراع اليمني نفسه؟
لفهم الصورة ، علينا أن نبتعد قليلًا عن المشهد العسكري المباشر، وننظر إلى الخريطة من أعلى.
خلال السنوات الأخيرة ، أصبحت مصر والصين تربطهما شراكة استراتيجية واقتصادية متزايدة، ومصر بالنسبة إلى بكين ليست مجرد سوق أو دولة صديقة، وإنما نقطة جغرافية شديدة الأهمية في منظومة التجارة العالمية، بحكم موقعها على البحرين الأحمر والمتوسط ووجود قناة السويس، التي تمثل أحد أهم الاختصارات البحرية بين آسيا وأوروبا.
وهنا تظهر أهمية مشروع “الحزام والطريق” الصيني.
الصين تنظر إلى طرق التجارة باعتبارها جزءًا من قوتها الاقتصادية والاستراتيجية ، وقناة السويس تقع في قلب أحد أهم مسارات التجارة التي تربط شرق آسيا بالأسواق الأوروبية. ولذلك فإن الاستثمارات الصينية في مصر، وخصوصًا في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، لا يمكن فصلها عن هذه الرؤية الأشمل.
ومن هنا نصل إلى باب المندب.
فالسفن القادمة من المحيط الهندي وبحر العرب إلى البحر الأحمر لا تستطيع الوصول إلى قناة السويس من دون المرور عبر هذا المضيق الحيوي. وبالتالي فإن من يمتلك القدرة على التأثير في باب المندب، يمتلك ورقة استراتيجية يمكنها أن تؤثر في حركة التجارة العالمية بأكملها.
وهنا تحديداً تكمن حساسية المشهد.
البحر الأحمر لم يعد مجرد ممر ملاحي، وإنما تحول تدريجياً إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح الولايات المتحدة والصين وإيران وإسرائيل ودول المنطقة، إضافة إلى القوى الأوروبية التي ترتبط مصالحها مباشرة بأمن الملاحة والطاقة والتجارة.
والحوثيون ، بما يمتلكونه من قدرات صاروخية وطائرات مسيرة وخبرة عسكرية تراكمت خلال سنوات الحرب، أصبحوا لاعباً قادراً على التأثير في هذه المعادلة، حتى وإن لم يكونوا القوة البحرية الأكبر في المنطقة.
لكن القول إن الصين “تدعم الحوثيين عسكريًا بشكل مباشر” أو أنها تقف خلف كل تحركاتهم يحتاج إلى أدلة أكثر صلابة مما هو متداول في الخطاب السياسي والإعلامي. المؤكد أن هناك تقارباً استراتيجياً متزايداً بين الصين وإيران ، وأن إيران تمتلك علاقة وثيقة بالحوثيين ، لكن تحويل هذا الترابط إلى دليل مباشر على وجود قرار صيني بتسليم باب المندب للحوثيين يحتاج إلى إثبات مستقل.
وهنا يجب أن نفرق بين شيئين مهمين جداً : أن تستفيد دولة من تطور جيوسياسي معين، وأن تكون هي التي صنعت هذا التطور من الأساس.
قد تستفيد الصين من تراجع النفوذ الأمريكي في منطقة معينة، وقد تستفيد من امتلاك خصوم الولايات المتحدة أوراق ضغط في البحر الأحمر ، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن بكين هي من يدير المشهد العسكري في اليمن من خلف الستار.
وهذه النقطة بالذات هي التي تجعل قراءة الأحداث أكثر تعقيداً من مجرد تقسيم العالم إلى محورين متصارعين.
نعم، هناك تنافس أمريكي ـ صيني متزايد على النفوذ العالمي، وهناك تقارب واضح بين الصين وروسيا وإيران في ملفات عديدة، وفي المقابل هناك تحالفات أمنية وسياسية تقودها الولايات المتحدة مع إسرائيل ودول أخرى في المنطقة.
لكن الشرق الأوسط ليس رقعة شطرنج تتحرك فيها الدول الكبرى وحدها.
الدول الإقليمية لديها حساباتها الخاصة، والحوثيون لديهم أجندتهم الخاصة، وإيران لديها حساباتها، والسعودية لديها حساباتها، ومصر كذلك لديها حساباتها التي لا تتطابق بالضرورة مع أي طرف آخر.
وهنا تأتي مصر.
من الخطأ اختزال المصلحة المصرية في سؤال واحد : هل مصر تؤيد هذا الطرف أم ذاك؟
المصلحة المصرية الحقيقية تبدأ من سؤال أكثر واقعية : كيف تحمي القاهرة أمن البحر الأحمر وقناة السويس من دون أن تنزلق إلى حرب مفتوحة جديدة تستنزف قدراتها العسكرية والاقتصادية؟
مصر لديها تجربة تاريخية قاسية في اليمن خلال الستينيات، عندما دخلت عسكرياً في الحرب اليمنية ، وتحولت العملية إلى استنزاف طويل للقوات المصرية في بيئة جغرافية وعسكرية شديدة التعقيد.
ولهذا فإن أي حديث عن ضرورة تكرار التدخل العسكري المصري المباشر في اليمن يجب أن يخضع لحسابات مختلفة تمامًا عن حسابات الشعارات.
مصر ليست مطالبة بأن تخوض كل حرب تدور بالقرب من حدود مصالحها.
بل على العكس، أحياناً تكون الدولة الأكثر عقلانية هي التي تعرف متى تستخدم القوة ، ومتى تستخدم الدبلوماسية ، ومتى تترك أطرافًا أخرى تتحمل تكلفة الصراع بدلًا منها.
هذا لا يعني أن مصر يمكنها تجاهل ما يحدث في باب المندب.
على العكس تماماً.
أمن باب المندب يرتبط بصورة مباشرة بأمن قناة السويس، وأي اضطراب طويل الأمد في الملاحة بالبحر الأحمر يمكن أن ينعكس على إيرادات القناة وعلى الاقتصاد المصري وعلى حركة التجارة الدولية.
لكن هناك فارقاً هائلًا بين حماية المصالح المصرية وبين التورط في حرب يمنية جديدة.
المطلوب هو امتلاك القدرة على الردع وحماية الملاحة والتنسيق مع القوى الدولية والإقليمية ، مع الحفاظ في الوقت نفسه على هامش الحركة السياسية والاستراتيجية الذي تتمتع به القاهرة.
ومصر في السنوات الأخيرة تبنت بالفعل سياسة تقوم بدرجة كبيرة على تنويع الشراكات وعدم وضع نفسها بالكامل داخل معسكر دولي واحد.
علاقاتها مع الولايات المتحدة لم تختف ، وعلاقاتها مع روسيا تطورت، وشراكتها مع الصين توسعت، وفي الوقت نفسه تحتفظ القاهرة بعلاقات مع القوى العربية والإقليمية المختلفة.
وهذه ليست ازدواجية في السياسة الخارجية كما قد يراها البعض، وإنما يمكن قراءتها باعتبارها محاولة للحفاظ على الاستقلال الاستراتيجي في عالم يتجه بصورة متزايدة نحو الاستقطاب.
ومن هنا أعتقد أن أخطر ما يمكن أن تفعله مصر هو أن تسمح لأحد الأطراف بأن يجرها إلى معركة ليست هي من اختارت توقيتها ولا مكانها ولا أهدافها.
الضرر الاقتصادي المؤقت الناتج عن اضطراب الملاحة يمكن التعامل معه بأدوات اقتصادية وسياسية وأمنية ، بينما الحرب المفتوحة في اليمن قد تنتج سنوات من الاستنزاف والتكاليف التي يصعب التحكم في نهايتها.
وفي النهاية، فإن القضية ليست الحوثيين وحدهم، ولا السعودية وحدها ، ولا إيران وحدها ، ولا حتى الولايات المتحدة والصين وحدهما.
القضية الحقيقية هي السيطرة على واحدة من أهم العقد الجغرافية في النظام التجاري العالمي.
من باب المندب إلى البحر الأحمر، ومن البحر الأحمر إلى قناة السويس، ومن قناة السويس إلى البحر المتوسط وأوروبا، هناك سلسلة واحدة من المصالح المتشابكة.
ولهذا فإن كل صاروخ يُطلق في البحر الأحمر لا يجب أن نراه باعتباره مجرد عملية عسكرية منفصلة، وكل تحرك في اليمن لا يجب أن نقرأه بمعزل عن الخريطة الدولية الأكبر.
ما يحدث هناك هو صراع على النفوذ، وعلى خطوط التجارة، وعلى القدرة على التحكم في الممرات الاستراتيجية.
أما مصر، فمصلحتها في رأيي ليست أن تصبح طرفاً جديداً في الحرب ، وإنما أن تظل صاحبة قرار مستقل ، وأن تحمي قناة السويس وأمنها القومي بأقل تكلفة ممكنة، وألا تسمح لأحد بأن يحول الجغرافيا المصرية إلى وقود لصراع دولي لا يخدم مصالحها.
فالسياسة الخارجية الذكية ليست في أن تدخل كل معركة تستطيع الدخول إليها، وإنما في أن تعرف أي معركة تستحق أن تخوضها، وأي معركة يكون الانتصار الحقيقي فيها هو ألا تدخلها من الأساس.



