مقالات

التصعيد السعودي ـ الحوثي.. من حرب الصواريخ إلى إستهداف شرايين الإقتصاد

✍️ يوحنا عزمي

يبدو أن المنطقة دخلت خلال الساعات الأخيرة مرحلة جديدة من التصعيد في الحرب السعودية ـ الحوثية ، مرحلة لم يعد فيها الأمر مجرد تبادل محدود للضربات أو رسائل عسكرية محسوبة، وإنما أصبحنا أمام محاولة واضحة من كل طرف لرفع تكلفة المواجهة على الطرف الآخر ، ونقل المعركة إلى عمق الأراضي والمنشآت الحيوية.

الساعات الماضية حملت مشهداً لافتاً في السعودية، بعدما دوت انفجارات في العاصمة الرياض بالتزامن مع إنذارات جوية، بينما ظهرت مشاهد لدخان كثيف قرب مطار الملك خالد الدولي، وأفادت تقارير بإطلاق الحوثيين صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه مواقع داخل المملكة ، في إطار موجة تصعيد جديدة جاءت بعد ضربات سعودية مكثفة داخل اليمن.

والأهم هنا ليس فقط عدد الصواريخ أو المسيرات التي أُطلقت، ولا عدد الأهداف التي جرى الحديث عن استهدافها ، وإنما طبيعة الأهداف التي أصبحت تدخل بصورة متزايدة في دائرة النار.

لأن استهداف العاصمة الرياض أو محيط مطار دولي أو منشآت مرتبطة بقطاع الطاقة لا يحمل فقط قيمة عسكرية، وإنما يحمل رسالة سياسية واقتصادية بالغة الوضوح: الحوثيون يريدون أن يقولوا إن استمرار الضربات السعودية داخل اليمن لن يمر من دون تكلفة، وإن العمق السعودي والمنشآت الحيوية يمكن أن تصبح جزءًا مباشراً من معادلة الرد.

وفي المقابل ، فإن الرياض تبدو وكأنها تحاول استخدام قوتها الجوية لضرب مراكز القيادة والقدرات العسكرية للحوثيين داخل اليمن، وهو ما يعني أن المعادلة الحالية تتحول تدريجياً من حرب تعتمد على الجبهات التقليدية إلى حرب استنزاف متبادلة، يستطيع فيها كل طرف أن يضرب نقاطاً مؤلمة لدى الطرف الآخر.

وهنا تحديداً تكمن المشكلة الحقيقية.

لأن السعودية تمتلك بنية تحتية استراتيجية هائلة، من منشآت النفط ومصافي التكرير وخطوط الأنابيب والموانئ ومحطات الكهرباء والمياه والمطارات والمنشآت الصناعية، وهي منشآت ضخمة ومكلفة للغاية، وأي تعطيل ولو مؤقت لجزء منها يمكن أن تكون له تداعيات تتجاوز الجانب العسكري إلى الاقتصاد والأسواق والطاقة.

وهذا الأمر لم يعد مجرد سيناريو نظري.

فخلال الأيام الماضية تعرض خط أنابيب شرق ـ غرب السعودي لاضطرابات بعد هجمات بطائرات مسيرة، كما تأثرت عمليات الشحن في ينبع ، وأعلنت السعودية بالفعل إلغاء أو تعليق بعض شحنات النفط الموجهة إلى عملاء أوروبيين بسبب اضطرابات البنية التحتية ومسارات التصدير.

وهنا يجب أن نتوقف قليلاً أمام خطورة هذه النقطة.

الحرب الحديثة لا تحتاج بالضرورة إلى تدمير دولة بالكامل حتى تحقق نتائج استراتيجية. أحياناً يكفي تعطيل خط أنابيب، أو ميناء، أو منشأة تخزين، أو محطة كهرباء، أو ممر ملاحي، حتى تبدأ التأثيرات في الانتقال من الميدان العسكري إلى الأسواق العالمية.

والسعودية تحديداً ليست دولة عادية عندما يتعلق الأمر بالطاقة، فهي واحدة من أهم اللاعبين في سوق النفط العالمي، وبالتالي فإن أي اضطراب طويل الأمد في قدرتها على الإنتاج أو النقل أو التصدير لا يبقى شأناً سعودياً داخلياً ، وإنما يمكن أن يتحول إلى مشكلة دولية تضغط على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد والاقتصادات المستوردة للنفط.

وهذا هو بالضبط النوع من الحروب الذي يجب أن تخشاه الرياض.

ليس لأن الحوثيين يمتلكون القدرة العسكرية نفسها التي تمتلكها السعودية ، فهذا غير صحيح ، وإنما لأن ميزان القوة في الحروب غير المتكافئة لا يُقاس دائماً بحجم الجيش أو عدد الطائرات.

الطرف الأضعف عسكرياً يمكنه أحياناً تحقيق تأثير كبير إذا استطاع الوصول إلى أهداف استراتيجية عالية القيمة بتكلفة منخفضة نسبياً.

صاروخ أو طائرة مسيرة منخفضة التكلفة يمكن أن تجبر منشأة بمليارات الدولارات على التوقف مؤقتاً ، أو تدفع دولة بأكملها إلى تغيير مسارات شحنها أو إجراءاتها الأمنية أو حساباتها الاقتصادية.

ومن هنا تأتي خطورة الاستراتيجية الحوثية الحالية إذا استمرت على هذا النحو.

فالتقارير والتحليلات التي تتابع أداء الجماعة خلال الفترة الأخيرة تشير إلى أن الضغط لم يعد يستهدف فقط المواقع العسكرية السعودية ، وإنما بدأ يمتد بصورة أكبر إلى البنية التحتية الاقتصادية ومسارات الطاقة والنقل.

وبالتالي، فإن استمرار التصعيد قد يدفع المواجهة تدريجياً نحو معركة استنزاف اقتصادي ، وليس مجرد معركة عسكرية.

وهذه نقطة شديدة الحساسية بالنسبة للسعودية، لأن الرياض لديها الكثير مما يمكن أن تخسره إذا تحولت الحرب إلى استهداف مستمر للبنية التحتية ، بينما يستطيع الحوثيون العمل من بيئة مختلفة تماماً ، تعتمد على الانتشار والمرونة والقدرة على إطلاق هجمات متفرقة بدلًا من الدخول في مواجهة عسكرية تقليدية مفتوحة.

لكن في الوقت نفسه ، لا ينبغي اختزال المشهد في أن السعودية هي الطرف الوحيد الذي يدفع ثمن التصعيد.

اليمن نفسه يدفع ثمناً هائلاً ، وأي عودة إلى حرب مفتوحة تعني مزيدًا من الدمار والنزوح والانهيار الاقتصادي والإنساني، في وقت كانت فيه المنطقة بحاجة إلى مسار سياسي يوقف الحرب بدلًا من إعادة إنتاجها بأدوات أكثر تطوراً وخطورة.

والمشكلة الأكبر أن هذه المواجهة لم تعد منفصلة عن بقية أزمات الشرق الأوسط.

نحن أمام منطقة تتداخل فيها الحرب في اليمن مع أمن البحر الأحمر وباب المندب وأسواق النفط والتوترات بين الولايات المتحدة وإيران، وبالتالي فإن أي ضربة جديدة قد لا تتوقف آثارها عند الحدود السعودية ـ اليمنية.

إذا تعرضت منشأة نفطية كبرى لضربة مؤثرة، فإن التأثير لا يذهب إلى الرياض فقط ، وإنما يصل إلى أسواق الطاقة العالمية.

وإذا تعرض ميناء أو طريق بحري استراتيجي للاضطراب، فإن التأثير يمتد إلى حركة التجارة الدولية.

وإذا توسعت الهجمات لتشمل دولًا أو منشآت جديدة، فإن احتمالات دخول أطراف إقليمية ودولية بصورة أكبر تصبح أكثر حضوراً.

وهنا تحديدًا يجب أن ندرك أن أخطر ما في المشهد الحالي ليس الضربة التي وقعت بالفعل، وإنما منطق التصعيد المتبادل الذي قد يأتي بعدها.

السعودية تضرب الحوثيين، والحوثيون يردون بضرب السعودية، ثم تأتي ضربة أقوى من السابقة، فيكون الرد التالي أكثر عنفاً. وهكذا تدخل الأطراف في دائرة يصعب الخروج منها من دون أن يشعر أحد بأنه قدم تنازلًا أو خسر المعركة.

وهذا هو السيناريو الذي يجب تجنبه بكل الوسائل السياسية.

لأن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على إنهاء الحرب، كما أن القدرة على إلحاق الضرر بالخصم لا تعني بالضرورة القدرة على تحقيق انتصار سياسي.

التجارب الطويلة في اليمن أثبتت أن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع أن تحسم تعقيدات هذا الصراع، وأن كل جولة عسكرية جديدة يمكن أن تنتج جولة أخرى أكثر عنفاً إذا لم تكن هناك تسوية سياسية تعالج جذور المشكلة.

والأخطر من ذلك أن استمرار هذه الحرب يمنح القوى الخارجية مساحة أكبر للتدخل وإعادة ترتيب موازين القوى وفق مصالحها.

فالولايات المتحدة تنظر إلى أمن الطاقة والممرات البحرية باعتبارهما جزءًا من أمنها الاستراتيجي، وإيران تنظر إلى اليمن باعتباره إحدى ساحات نفوذها الإقليمية، بينما تستفيد إسرائيل من انشغال المنطقة بتعدد الجبهات والتهديدات، وكل طرف يمتلك حساباته الخاصة.

ولهذا فإن استمرار الحرب السعودية ـ الحوثية لا يعني فقط استمرار حرب بين طرفين.

إنه يعني استمرار فتح واحدة من أخطر الجبهات القابلة للاتصال ببقية أزمات المنطقة.

وأعتقد أن الرسالة الأهم الآن يجب أن تكون واضحة: لا أحد يستطيع أن يضمن إلى أين يمكن أن يصل التصعيد إذا استمر بهذا الشكل.

قد تبدأ القصة بصاروخ يتم اعتراضه فوق الرياض، ثم تنتقل إلى منشأة نفطية، ثم إلى ميناء، ثم إلى ممر بحري، ثم تدخل أطراف أخرى، وفي لحظة معينة يصبح من الصعب للغاية إعادة كل شيء إلى نقطة البداية.

ولهذا فإن الحديث عن التهدئة ليس ضعفاً، كما أن البحث عن تسوية سياسية ليس تراجعاً.

على العكس، في الحروب المعقدة، القدرة على معرفة اللحظة التي يجب فيها وقف التصعيد قد تكون أهم من القدرة على إطلاق ضربة جديدة.

المنطقة لا تحتاج حرباً سعودية ـ حوثية أطول، ولا تحتاج جولة جديدة من الضربات المتبادلة التي يدفع المدنيون والاقتصاد والأمن الإقليمي ثمنها.

ما تحتاجه هو مسار سياسي حقيقي يوقف إطلاق النار، ويضع ترتيبات واضحة لأمن الحدود والمنشآت والممرات البحرية، ويفتح الباب أمام تسوية يمنية أوسع بدلًا من إعادة تدوير الحرب كلما تغيرت موازين القوى.

لأن استمرار التصعيد بهذا الشكل لن يجعل المنطقة أكثر أمناً، ولن يمنح أي طرف ضمانة حقيقية بالانتصار.

بل قد يحول اليمن والبحر الأحمر والخليج إلى مسرح واحد لصراع إقليمي أكبر ، وحينها لن يكون السؤال: من انتصر؟

بل سيكون السؤال: كم خسر الجميع قبل أن يدركوا أن الحرب لم تكن حلًا من الأساس؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى