شهادة وفاة إسرائيل .. هل بدأت تداعيات حرب غزة تعيد رسم ملامح النظام الدولي وتكشف تصدعات الغرب من الداخل؟

بقلم : يوحنا عزمي
نحن أمام لحظة تاريخية شديدة التعقيد، وربما أكثر خطورة مما تبدو عليه في ظاهرها، فالعالم الذي اعتدنا النظر إليه باعتباره منظومة مستقرة تحكمها مراكز قوة راسخة ، ومؤسسات سياسية واقتصادية قادرة على احتواء الأزمات ، بدأ يكشف عن تصدعات عميقة لم تعد محصورة في أطراف النظام الدولي، بل امتدت إلى قلب الدول التي طالما قدمت نفسها باعتبارها نماذج للاستقرار والرفاهية والديمقراطية.
ما يحدث في أوروبا خلال الفترة الأخيرة ليس مجرد موجة احتجاجات عابرة، ولا يمكن اختزاله في خلافات اجتماعية أو مطالب اقتصادية تقليدية. نحن أمام حالة متنامية من التوتر بين الأجيال الجديدة والأنظمة السياسية القائمة، وبين المواطن الأوروبي الذي بات يشعر بتراجع قدرته على تأمين مستقبله، وحكومات تبدو في أحيان كثيرة منشغلة بإدارة الصراعات الدولية وإعادة ترتيب أولوياتها العسكرية والاستراتيجية، أكثر من انشغالها بمعالجة الضغوط التي تتراكم داخل مجتمعاتها.
ولعل المشهد الأكثر دلالة على هذه التحولات هو ما شهدته ألمانيا يوم 31 أكتوبر 2026، عندما خرجت احتجاجات شبابية في 34 مدينة ألمانية، من بينها برلين وفرانكفورت وميونيخ وهامبورج، تحت مظلة حركة «Gen Z regelt»، التي رفعت مطالب تتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع جودة التعليم، ونقص تمويل المدارس، والاعتراض على الخدمة العسكرية الإلزامية.
هذه الاحتجاجات لم تكن مجرد تعبير عن غضب شبابي مؤقت، بل حملت في مضمونها رسالة سياسية واضحة: الجيل الجديد لم يعد مستعداً لتحمل تبعات قرارات تتخذها النخب الحاكمة دون أن يكون له صوت حقيقي في تحديد مستقبل بلاده.
واللافت أن قضية التجنيد العسكري كانت واحدة من أبرز نقاط الاشتباك بين الشباب والحكومة الألمانية ، خاصة في ظل التوجه نحو إعادة بناء القدرات العسكرية الألمانية وتعزيز الاستعداد لمواجهة التحديات الأمنية المرتبطة بروسيا والتوترات الأوروبية.
فالشباب الذين يواجهون ارتفاع تكاليف الحياة وتحديات التعليم والعمل، لا يرون بالضرورة أن زيادة الإنفاق العسكري يجب أن تأتي على حساب الخدمات العامة أو أن مستقبلهم ينبغي أن يُختزل في الاستعداد لحرب محتملة.
وفي بعض المدن، خرجت الاحتجاجات عن مسارها السلمي، وشهدت فرانكفورت أعمال نهب وتخريب واعتداءات على قوات الطوارئ ، كما اندلعت حرائق في حواجز بالشوارع في هامبورج. ومع ذلك، من الضروري التمييز بين الغالبية التي شاركت في الاحتجاجات السلمية والمجموعات التي تورطت في أعمال العنف.
وهنا تكمن المفارقة السياسية : ألمانيا ، صاحبة أحد أكبر الاقتصادات الصناعية في العالم، تواجه اليوم تحدياً لا يتعلق فقط بمؤشرات النمو والإنتاج، وإنما بمدى قدرة نموذجها الاجتماعي والسياسي على الحفاظ على ثقة الأجيال الجديدة.
فالقوة الاقتصادية وحدها لم تعد كافية لضمان الاستقرار، إذا شعر المواطن بأن الأعباء تتزايد ، وأن الخدمات تتراجع ، وأن الدولة تطالبه بمزيد من التضحيات دون أن تقدم له ضمانات واضحة بشأن مستقبله.
أما سويسرا، التي طالما ارتبط اسمها بالاستقرار والحياد والرفاهية، فقد شهدت بدورها مشاهد لافتة في زيورخ وبازل.
ففي ليلة 31 أكتوبر، خرج مئات المحتجين تحت شعار «On en a marre – en Suisse aussi»، أي «لقد سئمنا نحن أيضاً في سويسرا»، في تحركات جاءت متأثرة بموجة الاحتجاجات الأوروبية.
وشهدت زيورخ أعمال عنف وتخريب، وإشعال حواجز في الشوارع، واستخدام الألعاب النارية ، والاشتباك مع الشرطة التي تدخلت بالغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه ووسائل أخرى لتفريق التجمعات.
وهذه المشاهد، رغم أنها لا تعني أن المجتمع السويسري بأكمله يعيش حالة تمرد، تحمل دلالة مهمة ، فحتى الدول التي تمتلك مستويات مرتفعة من الرفاهية والأمان ليست بمنأى عن موجات الغضب الاجتماعي، عندما تتشابك المخاوف الاقتصادية والسياسية مع شعور قطاعات من المجتمع بأن صوتها لم يعد مسموعاً.
والأهم هنا ألا ننخدع بالمظاهر ، فالدول لا تبدأ في الاهتزاز بالضرورة عندما تنهار مؤسساتها، وإنما قد تبدأ الأزمة عندما تتراجع الثقة بين المجتمع والسلطة، وعندما يصبح الشارع ساحة للتعبير عن غضب لم تعد الأدوات السياسية التقليدية قادرة على استيعابه.
هل هذه التحركات الأوروبية مجرد أزمات داخلية، أم أنها جزء من مشهد دولي أوسع؟
الإجابة ليست بسيطة، ولا يصح اختزال جميع الاحتجاجات في سبب واحد، فهناك أزمات اقتصادية واجتماعية وأزمات ثقة سياسية تختلف من دولة إلى أخرى. لكن المؤكد أن أوروبا تواجه مرحلة من إعادة تقييم أولوياتها، خصوصاً في ظل الحرب الروسية الأوكرانية ، وتكاليف إعادة التسلح ، وأزمة الطاقة، وضغوط المعيشة ، والخلافات المتعلقة بالهجرة ومستقبل دولة الرفاه.
كما أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت عاملًا مؤثراً في سرعة انتشار الاحتجاجات وتبادل الخبرات بين الحركات الشبابية عبر الحدود، وهو ما يجعل الحكومات أكثر قلقاً من قدرة الفضاء الرقمي على تحويل الغضب المحلي إلى موجات احتجاج عابرة للدول.
وفي فرنسا تحديداً ، هناك تحركات تشريعية تتعلق بحماية القاصرين من مخاطر استخدام منصات التواصل الاجتماعي ، لكن من المهم عدم الخلط بين هذه الإجراءات وبين قرار بحجب شامل لمواقع التواصل بهدف إخماد الاحتجاجات؛ فهما مساران مختلفان سياسياً وقانونياً.
ومع ذلك، فإن المشهد الأوروبي يظل مؤشراً على أن الحكومات لم تعد تواجه فقط تحديات الإدارة الاقتصادية ، وإنما تواجه أيضاً معركة استعادة الثقة الشعبية.
غير أن التطور الأكثر أهمية في هذا المشهد لا يتعلق بأوروبا وحدها، بل بما يحدث داخل إسرائيل نفسها.
فبينما تنشغل بعض العواصم الأوروبية باحتواء الاحتجاجات الداخلية، تتصاعد داخل إسرائيل تحذيرات من شخصيات عسكرية وأمنية سابقة بشأن مستقبل الدولة وقدرتها على الاستمرار في ظل الأزمات المتراكمة.
ولعل أبرز هذه التحذيرات ما صدر عن اللواء الإسرائيلي المتقاعد يتسحاق بريك، أحد أبرز الأصوات العسكرية التي اعتادت توجيه انتقادات حادة إلى المؤسسة السياسية والعسكرية الإسرائيلية.
ففي مقال رأي نشرته صحيفة «معاريف» الإسرائيلية، وصف بريك نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة بأنها بمثابة «شهادة الوفاة الرسمية لدولة إسرائيل كما عرفناها».
وهذه العبارة ليست مجرد عنوان صادم أو محاولة لجذب الانتباه، وإنما تعكس حجم القلق الذي بات يتردد داخل بعض الدوائر الإسرائيلية بشأن مستقبل الدولة، في ظل ما يصفه بريك بانهيار متعدد المستويات يشمل الجيش والاقتصاد والمجتمع والمؤسسات السياسية والقانونية.
والأكثر خطورة في طرحه أنه لا يتحدث عن أزمة حكومة يمكن تجاوزها بتشكيل ائتلاف جديد، أو عن خلاف سياسي يمكن احتواؤه عبر انتخابات مبكرة، وإنما يضع إصبعه على أزمة أعمق تتعلق بالأسس التي يقوم عليها المشروع الإسرائيلي ذاته.
فإسرائيل، التي بنت جزءًا كبيراً من صورتها الاستراتيجية على التفوق العسكري، والقدرة على الردع ، والتماسك الداخلي ، والدعم الغربي ، تجد نفسها أمام اختبارات متزامنة لهذه الركائز.
لقد كشفت سنوات الحرب عن ضغوط كبيرة على الجيش الإسرائيلي، سواء من حيث استنزاف القوات، أو الاعتماد المتكرر على قوات الاحتياط، أو صعوبة إدارة جبهات متعددة لفترات طويلة ، فضلًا عن الخلافات السياسية بشأن الأهداف العسكرية وحدود القوة وإمكانية تحقيق انتصار حاسم.
والجيش الذي كان يُقدم باعتباره أحد أكثر الجيوش قدرة على الحسم السريع، أصبح يواجه أسئلة صعبة حول كلفة الحروب الممتدة، وقدرته على الحفاظ على الجاهزية، ومدى إمكانية تحقيق الأهداف السياسية من خلال القوة العسكرية وحدها.
وهنا تظهر معضلة استراتيجية أساسية: التفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على تحويل الانتصارات التكتيكية إلى مكاسب سياسية مستدامة.
فقد تستطيع الدولة تدمير أهداف عسكرية، وشن عمليات واسعة، وفرض وقائع ميدانية مؤقتة، لكنها لا تستطيع بالضرورة إنتاج استقرار سياسي أو بناء شرعية دولية من خلال القوة وحدها.
أما اقتصادياً ، فإن استمرار الحروب وتزايد النفقات العسكرية والضغوط على سوق العمل والاستثمار ، يفرض تحديات ثقيلة على الاقتصاد الإسرائيلي.
فالاقتصاد الذي اعتمد بدرجة كبيرة على التكنولوجيا المتقدمة والاستثمارات الخارجية والاندماج في الأسواق الدولية، لا يمكنه أن يظل معزولًا عن التداعيات السياسية والأمنية للحروب الممتدة.
وكلما اتسعت دائرة العزلة الدولية، وزادت المخاوف المتعلقة بمستقبل الاستقرار، ارتفعت احتمالات تأثر الاستثمارات وثقة الأسواق وتدفقات رؤوس الأموال.
والأخطر أن الأزمة الاقتصادية لا تعمل بمعزل عن الأزمة الاجتماعية، فارتفاع كلفة الحرب ، وتزايد الانقسامات الداخلية ، والخلافات بشأن توزيع الأعباء، والهجرة المحتملة للعقول والكفاءات، كلها عوامل قد تتفاعل مع بعضها البعض لتخلق أزمة بنيوية يصعب احتواؤها بالحلول التقليدية.
لكن الضربة الأكثر حساسية لإسرائيل ربما تكون قد جاءت من خارج حدودها: تراجع شرعيتها الدولية.
فالحرب على غزة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية أخرى في سجل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل تحولت إلى اختبار سياسي وأخلاقي واسع للعلاقات بين إسرائيل والعالم الغربي.
لقد وضعت مشاهد الدمار والضحايا المدنيين، وما صاحب العمليات العسكرية من اتهامات خطيرة بانتهاكات القانون الدولي الإنساني، الحكومات الغربية أمام تناقضات متزايدة بين خطابها التقليدي بشأن حقوق الإنسان والقانون الدولي، وبين مواقفها العملية من الحرب.
وهذا التناقض لم يعد محصوراً في مواقف الحكومات، بل امتد إلى الجامعات والنقابات والمؤسسات الحقوقية والشارع الأوروبي والأمريكي، حيث تصاعدت الاحتجاجات المطالبة بوقف الحرب ومراجعة الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل.
ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من التحول الذي تواجهه إسرائيل: لم تعد المعركة مقتصرة على حدودها الجغرافية أو على ميزان القوى العسكري في الشرق الأوسط، وإنما أصبحت أيضاً معركة على صورتها وشرعيتها ومكانتها في النظام الدولي.
وهذه نقطة شديدة الأهمية؛ لأن الدولة التي تستطيع تحمل خسائر عسكرية واقتصادية لفترة، قد تجد صعوبة أكبر في تحمل عزلة دولية ممتدة، خصوصاً إذا بدأت هذه العزلة تؤثر في علاقاتها الاستراتيجية وشراكاتها الاقتصادية والعسكرية.
وهنا نصل إلى السؤال الجوهري : ما علاقة كل هذه التحولات بغزة؟
غزة ليست بالضرورة السبب المباشر لكل أزمة تشهدها أوروبا، ولا يمكن تفسير الاحتجاجات الألمانية أو السويسرية باعتبارها نتيجة مباشرة للحرب وحدها. لكن غزة كانت نقطة تحول كبرى في الوعي السياسي والأخلاقي العالمي، وكشفت عن تناقضات عميقة داخل النظام الدولي ، ودفعت قطاعات واسعة من المجتمعات الغربية إلى إعادة النظر في مواقف حكوماتها من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
لقد تحولت غزة من ساحة جغرافية محدودة المساحة إلى قضية عالمية تتجاوز حدود الشرق الأوسط ، وأصبحت صور الحرب ونتائجها حاضرة في النقاشات السياسية والانتخابية والإعلامية داخل العديد من الدول.
كما أن الحرب كشفت حدود القوة العسكرية الإسرائيلية، وحدود قدرة الحلفاء الغربيين على احتواء التداعيات السياسية والأخلاقية للصراع دون أن يدفعوا هم أيضاً أثماناً داخلية.
وهنا تكمن المفارقة : إسرائيل دخلت الحرب وهي تمتلك تفوقاً عسكرياً وتكنولوجياً واضحاً ، لكنها خرجت من سنوات الصراع وهي تواجه أسئلة أكثر تعقيداً بشأن مستقبل الردع، والتماسك المجتمعي، والشرعية الدولية، والقدرة على الاستمرار في بيئة إقليمية ودولية شديدة التقلب.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس مجرد خسارة معركة عسكرية، وإنما أن تجد نفسها أمام أزمة تتزامن فيها هشاشة الداخل مع تراجع الثقة الخارجية، وتآكل صورة الدولة، وغياب رؤية سياسية قادرة على تحديد شكل المستقبل.
ولهذا فإن تصريحات يتسحاق بريك تستحق التوقف أمامها، ليس لأنها إعلان رسمي عن نهاية إسرائيل، فالدول لا تسقط بمجرد أن يعلن أحد جنرالاتها ذلك، وإنما لأنها تكشف أن القلق بشأن مستقبل الدولة لم يعد حكراً على خصومها، بل أصبح حاضراً في نقاشاتها الداخلية أيضاً.
إن الحديث عن «شهادة وفاة إسرائيل» ينبغي فهمه باعتباره تحذيراً سياسياً واستراتيجياً من انهيار نموذج الدولة الذي تشكل خلال العقود الماضية، وليس حكمًا نهائياً بأن زوالها أصبح أمراً محسوماً.
الخلاصة أن العالم يتغير، وإسرائيل تواجه واحدة من أصعب مراحل تاريخها، والغرب نفسه يواجه اختبارات داخلية وخارجية متزامنة.
لكن التاريخ لا يتحرك وفق الرغبات أو الأمنيات، ولا تسقط الدول لمجرد أن خصومها يتوقعون سقوطها، وإنما تتحدد مصائرها بقدرتها على معالجة أزماتها الداخلية ، وإعادة بناء شرعيتها ، والتكيف مع التحولات المحيطة بها.
أما غزة، فقد أثبتت أن مساحة جغرافية صغيرة لا تعني بالضرورة تأثيراً سياسياً محدوداً ، وأن الحروب لا تُقاس فقط بعدد الطائرات والصواريخ والدبابات، وإنما أيضاً بما تتركه من آثار على صورة الدول ، وتحالفاتها ، ومكانتها الدولية، ومستقبل النظام الذي تتحرك داخله.
ربما لن يكون التاريخ قد كتب بعد الفصل الأخير في هذه المواجهة، لكن المؤكد أن العالم الذي كان قائماً قبل حرب غزة لن يعود بالضرورة كما كان بعدها.
ففي السياسة الدولية، قد تبدأ التحولات الكبرى من مكان يبدو صغيراً على الخريطة ، لكنها تمتد آثارها إلى أبعد العواصم ومراكز صناعة القرار.



