إيران وترامب ونتنياهو .. كيف تحول الصراع إلى معركة استنزاف سياسي وحرب إدراكية؟

بقلم : يوحنا عزمي
لم يعد الصراع بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، محصوراً في موازين القوة العسكرية ، أو حجم الترسانة الصاروخية أو القدرة على توجيه ضربات جوية مؤثرة. فقد امتدت المواجهة إلى ساحات أكثر تعقيداً، وفي مقدمتها الجبهة الداخلية ، حيث أصبحت الحسابات السياسية والضغوط الانتخابية ومخاوف الرأي العام عوامل لا تقل أهمية عن الحسابات العسكرية في تحديد مسار المواجهة ومآلاتها.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة ما يحدث باعتباره محاولة إيرانية لنقل جزء من كلفة الصراع إلى الداخل الأمريكي والإسرائيلي، بحيث لا تقتصر المواجهة على استنزاف القدرات العسكرية ، وإنما تمتد إلى تضييق هامش المناورة السياسية أمام القيادتين الأمريكية والإسرائيلية، ورفع تكلفة أي قرار بالتصعيد، سواء على المستوى الداخلي أو في الحسابات الاستراتيجية بعيدة المدى.
لقد أظهرت التطورات السياسية الأخيرة، وفق هذه القراءة، أن استمرار المواجهة دون أفق واضح لنهايتها يمكن أن يتحول إلى عبء سياسي على صانعي القرار، خصوصاً عندما تتزايد التساؤلات بشأن جدوى الحرب، والأهداف الحقيقية منها، والنتائج التي يمكن تقديمها للرأي العام باعتبارها انتصاراً ملموساً. وهنا تحديداً تكمن إحدى أهم نقاط التعقيد أمام دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، فالمشكلة لم تعد فقط في امتلاك القدرة على توجيه ضربة عسكرية ، وإنما في القدرة على تحديد ما الذي سيحدث في اليوم التالي لهذه الضربة.
وبالعودة إلى المشهد الأمريكي، فإن نتائج الانتخابات وما أفرزته من مؤشرات على حالة الاستقطاب والانقسام الداخلي تضع الإدارة الأمريكية أمام معادلة شديدة الحساسية. فترامب، الذي اعتاد تقديم نفسه باعتباره رئيساً قادراً على اتخاذ قرارات حاسمة وتحقيق انتصارات سريعة، يجد نفسه أمام اختبار مختلف تماماً ، اختبار لا يتعلق فقط بقدرته على استخدام القوة العسكرية ، بل بقدرته على إنهاء المواجهة دون الانزلاق إلى حرب طويلة ومكلفة يصعب التحكم في مسارها.
ولو كان لدى ترامب تصور استراتيجي واضح ومتكامل بشأن كيفية إنهاء المواجهة مع إيران، وكان يمتلك ضمانات سياسية وعسكرية بأن ضربة محدودة كفيلة بتحقيق أهدافه وإغلاق ملف الصراع، لكان من الممكن أن يتعامل مع خيار التصعيد بدرجة أكبر من الثقة. ففي هذه الحالة ، كان بإمكانه توظيف الضربة باعتبارها رسالة قوة إلى الخارج، وانتصاراً سياسياً إلى الداخل، والقول إنه نجح في فرض معادلة ردع جديدة دون أن يورط الولايات المتحدة في حرب مفتوحة.
لكن المعضلة الأساسية تكمن في غياب اليقين بشأن النتائج. فهل ستكتفي إيران بامتصاص الضربة والرد بصورة محدودة؟ أم ستعتبرها بداية لمواجهة أوسع تستهدف من خلالها المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة ، إلى جانب المصالح الإسرائيلية؟
وهل ستكون الضربة الأمريكية قادرة بالفعل على إضعاف القدرات الإيرانية بصورة حاسمة، أم أنها ستفتح الباب أمام جولات جديدة من التصعيد، دون أن تحقق تغييراً جوهرياً في موازين القوة؟
هذه الأسئلة هي التي تجعل القرار الأمريكي أكثر تعقيداً، وتفسر تعدد الاتجاهات داخل الدوائر المحيطة بترامب بشأن كيفية التعامل مع طهران. فهناك من يرى أن استخدام القوة ضرورة لإعادة تثبيت الردع الأمريكي ، وهناك من يدرك أن الدخول في مواجهة عسكرية دون ضمانات واضحة بشأن نهايتها قد يحوّل ما يُفترض أن يكون استعراضاً للقوة إلى أزمة استراتيجية وسياسية يصعب احتواؤها.
ومع ذلك، فإن تردد ترامب لا يعني بالضرورة استبعاد الخيار العسكري، بل قد يعكس محاولة للوصول إلى صيغة تضمن تحقيق أكبر قدر من المكاسب بأقل تكلفة ممكنة. فهو يريد ضربة يمكن تقديمها باعتبارها إنجازاً عسكرياً وسياسياً، دون أن تتحول إلى نقطة انطلاق لحرب إقليمية واسعة تفرض على واشنطن التزامات عسكرية وأمنية جديدة، وتضع القوات الأمريكية في دائرة استهداف مباشر ومستمر.
وهنا تظهر أهمية ما يمكن تسميته بـ«الحرب الإدراكية» الإيرانية، إذ لا تقتصر الاستراتيجية على إظهار القدرة على الرد العسكري، وإنما تقوم أيضاً على خلق حالة من عدم اليقين لدى الخصم بشأن طبيعة الرد وحدوده وتوقيته والأهداف التي قد يشملها. فكلما عجز الطرف المقابل عن التنبؤ بما سيحدث بعد الضربة الأولى ، ارتفعت تكلفة اتخاذ القرار، وأصبح حساب المخاطر أكثر تعقيداً.
وبمعنى آخر، لا تحتاج إيران بالضرورة إلى إقناع واشنطن بأنها قادرة على الانتصار في مواجهة عسكرية شاملة، بقدر ما تحتاج إلى إقناع صانع القرار الأمريكي بأن تكلفة الدخول في هذه المواجهة قد تكون أكبر بكثير من المكاسب التي يمكن تحقيقها منها. وهذه معادلة شديدة الأهمية في حسابات القوى الكبرى لأن امتلاك التفوق العسكري لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على التحكم في جميع نتائج استخدامه.
أما على الجانب الإسرائيلي، فإن نتنياهو يواجه بدوره حسابات سياسية وأمنية لا يمكن فصلها عن مستقبل المواجهة. فإطالة أمد الصراع تضع القيادة الإسرائيلية أمام تساؤلات متزايدة بشأن النتائج الفعلية للعمليات العسكرية، وحدود القدرة على تحييد التهديد الإيراني ، ومدى إمكانية تحويل التفوق العسكري إلى مكاسب استراتيجية مستقرة. كما أن أي تصعيد واسع قد يفرض على إسرائيل أعباء أمنية واقتصادية واجتماعية إضافية ، ويعيد فتح النقاش الداخلي حول جدوى الخيارات التي تبنتها حكومتها.
والأكثر أهمية أن أي تراجع في هامش المناورة السياسية أمام ترامب ونتنياهو لا ينعكس عليهما وحدهما ، بل قد يمتد تأثيره إلى من يخلفهما مستقبلاً، لأن القرارات التي تُتخذ في مثل هذه الصراعات تترك إرثاً استراتيجياً يصعب تجاوزه سريعاً. فالحرب التي لا تُحسم عسكرياً ولا تُنهى سياسياً تتحول إلى معضلة موروثة، يجد أي رئيس أو حكومة لاحقة نفسها مضطرة للتعامل معها، سواء عبر استكمال المواجهة أو البحث عن تسوية أو إعادة صياغة قواعد الاشتباك.
ومن هنا، فإن جوهر المعضلة الأمريكية والإسرائيلية لا يتمثل في القدرة على بدء الحرب، وإنما في القدرة على تحديد نهايتها وشروط الخروج منها. فشن ضربة عسكرية قد يكون قراراً يمكن اتخاذه في ساعات ، لكن السيطرة على تداعياتها قد تستغرق شهوراً أو سنوات، وربما تفتح مسارات لم تكن في حسابات من اتخذ القرار منذ البداية.
ومع ذلك، لا ينبغي افتراض أن حالة عدم اليقين ستمنع التصعيد بصورة حتمية، فالتقديرات الاستراتيجية قد تتغير ، وقد يرى صانع القرار في لحظة معينة أن مخاطر عدم التحرك أصبحت أكبر من مخاطر المواجهة. لكن الفارق الأساسي أن أي قرار عسكري في ظل هذه الظروف لن يكون مجرد استعراض للقوة، وإنما مغامرة محسوبة النتائج بقدر ما تسمح به المعطيات، ومحفوفة في الوقت ذاته باحتمالات يصعب ضمان احتوائها.
وفي النهاية، تبدو إيران وكأنها تحاول تحويل عامل الوقت وعدم اليقين إلى أدوات ضغط استراتيجية، بينما تجد واشنطن وتل أبيب نفسيهما أمام ضرورة الموازنة بين إظهار القوة وتجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. فالمعادلة لم تعد من يملك القدرة على توجيه الضربة الأقوى فحسب ، بل من يستطيع فرض شروط المرحلة التالية، ومن يمتلك القدرة على تحمل كلفة استمرار الصراع.
إن أخطر ما في هذه المواجهة ليس بالضرورة ما قد يحدث في لحظة اندلاع الحرب، وإنما ما قد يحدث بعد انتهائها، فالقوة العسكرية تستطيع تدمير أهداف، لكنها لا تضمن وحدها صناعة واقع سياسي جديد.



