ابداعات

“خديجة بنت خويلد”

 

منة اللّٰه عتمان 

 

من بين دهاليز مكة، حيث تعانق الجبال الغيوم الخاشعة، وحيث كانت القوافل تعود محملة بالعطر والحرير والذهب، وُلدت امرأة ستغير وجه التاريخ امرأة سبقت عصرها، كأنها خلقت من النقاء، ومن الوفاء قد وُجدت.

 

خديجة بنت خويلد، الطاهرة النقية، وتاج نساء قريش، التي حملت قلبًا أكبر من كل أسواق مكة، وروحًا أنقى من زمزم حين يتفجر ماؤها المبارك.

 

 

خديجة التي لم تكن فقط اسم له تاريخ بل كانت حكاية وفاء وصدق، لم تكن عظمتها في ثرائها وحده، بل في رجاحة عقلها وجمال قلبها المتفاني، كانت تعرف قيمة ذاتها وسط عالمٍ يُقاس فيه كل شيء بالذهب، فجمعت بين المال والفضيلة، وبين الجمال والمهابة وبين سحر أصالتها، بينما كانت مكة مكتظة بالباعة بين صخب التجارة وموائد المفاخرة بالمال والنسب. 

 

وفي ذاك الحين ظهر شاب في الخامسة والعشرين من ريعان شبابه، يطلق عليه الصادق الأمين، لأمانته التي لم تُكسر كأنها من فولاذ لا يُقهر، وكأنما وُلد من نقاءٍ عميق.

 

 

استأجرته في تجارتها، فعاد من الشام بربح لم تعرفه من قبل، لكن قلبها لم يلتفت إلى الذهب ولا إلى مغانم التجارة، بل إلى صدقه الذي يلمع في حديثه، وأمانته التي تسكن صمته، قد شغفها بقلبٍ أمين وروحٍ صادقة.

 

بعثت إليه من تخطب وده، فجاوبها بقبول حسنٍ، وكان زفافهما عيدًا جابت به الأفراح في مكة، كانت خديجة حينها قد بلغت الأربعين من عمرها، وهو لايزال في الخامسة والعشرين، لكنها كانت في العشرين من رقتها، و بما تحمله من حب، طمأنينة، مودة، ورحمة، وصفاء لا يُحد.

 

وبعد سنوات من حياة هادئة مليئة بالود، صعد محمد “صل الله عليه وسلم” إلى غار حراء حتى جاءه الوحي لأول مرة، عاد إلى خديجة يرتجف قلبه وجسده، وهو يردد:

“زملوني….زملوني.”

حينها لم تكن خديجة زوجة فقط، بل كانت حكاية وفاء، وصبر وصدق لا تشوبه ذرة شك واحدة، كانت أول من آمن به دون سؤال، دون شك، ودون تردد،

صدقت قبل أن يبايعه صحابي أو يصدقه صديق، 

كانت خديجة هى قلبُ صدقٍ نابض يروي خوف التردد.

 

وفي العام العاشر من البعثة، أسدل القدر ستاره على أجمل فصول الحب والوفاء، ورحلت خديجة إلى جوار ربها، وقد أفنت عمرها في الوفاء، والمواساة من جوف أنين الحزن،

فصار محمد “صل الله عليه وسلم” بعد موتها يمشي بنصف قلبٍ متألم، و سُمي ذلك العام “عام الحزن”، لأن الأرض فقدت امرأة كانت شمسًا لا تُطفأ، وبدرًا لا يضاهيه نور.

 

خديجة ليست مجرد اسم عابر في التاريخ؛ إنما هى رمز للوفاء، للصداقة والحب كانت وطنًا لقلب محمد “صلى الله عليه وسلم” إنها ليست فقط “أم المؤمنين”، بل أم الحلم، وأم الرسالة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!