مقالات

كمين الزيتون .. حين تحول الإقتحام إلى مقتلة تهز جيش الإحتلال

✍️ يوحنا عزمي

ما جرى في حي الزيتون بمدينة غزة لم يكن مجرد اشتباك عابر أو مواجهة عسكرية تقليدية كما يحاول الاحتلال أن يصفه ، بل كان كابوساً أمنياً وكارثة عسكرية بكل المقاييس.

قوة كاملة من لواء 401 التابع للفرقة 162 تقدمت إلى الحي بهدف السيطرة عليه وتأمينه ، لكنها وقعت في فخ محكم نصبه مقاتلو المقاومة الفلسطينية. في لحظة خاطفة انقلب المشهد ، فتحول الاقتحام المخطط إلى مقتلة مروعة، وصفتها وسائل الإعلام العبرية بأنها الأعنف والأخطر منذ السابع من أكتوبر.

المعطيات الأولية أكدت مقتل جندي على الأقل وإصابة تسعة آخرين بجروح بالغة ، لكن الأنباء الأكثر وقعًا جاءت مع التقارير التي أفادت بفقدان أربعة جنود إسرائيليين وسط ترجيحات قوية بأن المقاومة قد تمكنت من أسرهم.

وإن صحت هذه الرواية ، فإنها لا تعني مجرد خسارة ميدانية عابرة ، بل فضيحة مدوية تهز صورة الجيش الذي طالما قدّم نفسه باعتباره “لا يُقهر”، فيما يجد نفسه اليوم عاجزاً أمام كمين نُسج بذكاء وصبر وسط شوارع غزة.

العملية لم تكن مواجهة تلقائية ، بل كانت مصيدة متكاملة: سمح المقاتلون للقوة الإسرائيلية بالتوغل بطمأنينة، ثم فجأة انهالت عليهم النيران من كل اتجاه ، صواريخ “الياسين” تنفجر ، والعبوات الناسفة تحصد الأرواح ، فيما الرصاص يمزق صفوفهم. المعركة تحولت إلى جحيم، فاضطر الطيران الحربي الإسرائيلي إلى التحليق على ارتفاع منخفض، فيما هرعت المروحيات واحدة تلو الأخرى لمحاولة إنقاذ الجنود المحاصرين، حتى اضطر الجيش إلى إرسال ست مروحيات إضافية في محاولة يائسة لاستعادة زمام السيطرة.

الأخطر من ذلك هو لجوء الاحتلال إلى تفعيل ما يُسمى بـ”بروتوكول هانيبال”، القاعدة العسكرية التي تبيح قصف المنطقة بأكملها إذا وُجد احتمال أن يقع الجنود في الأسر، حتى لو كان ذلك يعني قتلهم بأيدي رفاقهم. مجرد تفعيل هذا البروتوكول يكشف حجم الذعر الذي أصاب القيادة العسكرية ، وإدراكها أن عناصرها على وشك التحول إلى أوراق تفاوضية في يد المقاومة.

ورغم محاولات التضليل الإعلامي ، لم تجد الصحافة العبرية سوى وصف ما جرى بأنه “حدث صعب” ، وهو التعبير الرسمي الذي يستخدم عندما يكون حجم الخسائر والفضيحة أعظم من أن يُخفى أو يُجمل. وبين السطور، يتضح أن الاحتلال لم يفقد فقط جنوداً وعتادًا، بل فقد جزءًا من هيبته ، وتعرت قياداته أمام واقع لا تستطيع إنكاره.

إن ما حدث في الزيتون ليس مجرد عملية عسكرية ، بل هو شهادة جديدة على أن غزة التي تُقصف نهارًا وتُحاصر ليلًا، قادرة على أن تعيد كتابة التاريخ بدماء مقاتليها.

إنها معركة الإرادة التي تتفوق على أحدث ما في الترسانة العسكرية الإسرائيلية من سلاح وتكنولوجيا. وما جرى اليوم هو تذكير صارخ بأن جيش الاحتلال مهما استعرض من قوة سيظل عاجزًا أمام عزيمة لا تنكسر ، وإصرار يولد من تحت الركام ، ليحول المأساة إلى بطولة ، والحصار إلى ملحمة تقض مضاجع المحتل وتعيد رسم موازين الصراع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!