ابداعات

عصر المنصات

 

 

بقلم:ضياء علي الدعاس 

 

 

كان الناس فيما مضى إذا أرادوا أن يسمعوا صوتًا قصدوا منبرًا في مسجد أو قاعة أو مقهى، واليوم صار المنبر شاشةً صغيرة لا تفارق أيدينا؛إنها المنصات، عالمٌ ولد في صمت ثم تمدد حتى ابتلع أيامنا…لم تعد وسيلةً للتواصل فحسب، بل حياةً ثانية نصوغ فيها ذواتنا، فنلبس أقنعةً قد تغدو مع الزمن وجوهًا حقيقية.

 

هذه الحياة الجديدة تلمع كالزجاج، تمنحنا وجوهًا وأدوارًا، لكنها تبقى هشة، قابلة للكسر في أي لحظة،وقد يغدو الإنسان أسيرًا لصورته الافتراضية أكثر من كونه وفيًا لحقيقته

 

في هذا العالم لم يعد الذهب هو السلعة، بل اللحظة ذاتها…الانتباه هو العملة، وكل صورة أو مقطع صياد يتربص بنا.. نُظن أننا نصطاد، بينما نحن الطريدة المعلقة بخيطٍ لا نراه

 

والحاكم في هذا السوق ليس سلطانًا ذا وجه نعرفه، بل خوارزمية خفية، تفتح لنا أبوابًا وتغلق أخرى، ترفع أصواتًا وتخنق أصواتًا؛ لم تعد السلطة بندقية ولا صندوق اقتراع، بل شيفرة تُدار في مكان لا ندركه

 

وما زاد الطين بلة أن المنصات جعلت من السهل على أي شخص أن يكون مؤثرًا، وأن يطرح أفكاره وآراءه بلا رقيبٍ ولا علمٍ أو وعي،هكذا انتشرت الظواهر كالجراثيم في جسد المجتمع، يخرج من يحرض، ويخرج من ينصح، ويخرج من يفتعل بطولةً من فراغ، حتى ضاع صوت الحكمة بين ضجيج الأصوات

 

وحيثما التفتنا صرنا نُغرق في النصائح والعبَر..هذا يكتب بالعربية، وذاك بالإنجليزية، واحدٌ يدعوك أن تمضي يمينًا، وآخر يجزم أن الصواب في اليسار.

تضاربت الآراء وتناقضت، حتى صار المرء حائرًا لا يدري من يتبع، ولا أي طريقٍ هو الصواب وأيها هو الوهم

 

نضحك ونبكي ونغضب على هذه المنصات، مشاعرنا صارت مرهونة بزر صغير؛لم يعد السؤال: هل نحن سعداء؟ بل: كم شاهد سعادتنا؟ كأننا نقيس أرواحنا بعددٍ يتغير كل ثانية

 

حتى الثقافة غدت جرعاتٍ سريعة،جملة قصيرة أو مقطع خاطف ،كانت يومًا نهرًا نشرب منه على مهلٍ وصبر، فإذا بها اليوم قَطرات حلوة الطعم، سريعة الذوبان،ومع ذلك، ربما تكفي هذه القطرة لتوقظ الظمأ، فيأتي المثقف الحق ليزرع في أرضٍ ضيقة بذورًا صغيرة، لعلها تثمر يومًا

 

لكن أعجب ما في عصر المنصات أنه جمعنا متباعدين؛أحاطنا بالآلاف وتركنا في عزلةٍ مضاعفة…نصحو على ضجيجٍ وننام على صور، ثم إذا أطفأنا الشاشات اكتشفنا أن الغرفة أضيق مما كنا نظن، وأن الصمت أثقل مما نطيق

 

ومع ذلك، فالأمر ليس قدرًا لا يُرد.

لسنا عبيدًا للشاشات ولا قادرين على الفرار منها، لكننا نستطيع أن نمتلك زمامها،أن نستخدمها أداةً لا أن نُستَخدم بها، أن نطل منها على العالم دون أن تسرق عوالمنا الداخلية…أن نعود إلى البوصلة التي فقدناها.. نُصغي إلى عقولنا قبل أن نصغي إلى النصائح، ونزن كل رأي بميزان العقل لا بميزان الإعجاب

 

وسيأتي يومٌ يُسأل فيه كل واحدٍ منا سؤلًا..لا عن كم تابعًا يملك، بل كم نفسًا صان، وكم فكرةً أنقذ من الغرق في هذا البح


ر الذي يسمونه عصر المنصات.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!