مقالات

ترامب تحت الحصار .. هل تكون إيران طوق النجاة أم بداية السقوط؟

✍️ يوحنا عزمي

المشهد السياسي في واشنطن يبدو اليوم وكأنه ساحة شد حبال مفتوحة ، تتقاطع فيها الحسابات الداخلية الأمريكية مع الرهانات الإقليمية في الشرق الأوسط ، وتحديداً مع الملف الإيراني.

في قلب هذا المشهد يقف دونالد ترامب بين ضغوط متصاعدة من مؤسسات الدولة العميقة ، وخصومه داخل الكونجرس ، وجماعات ضغط مؤثرة ترى أن اللحظة الحالية قد تكون الفرصة الذهبية لإعادة رسم توازنات المنطقة.

السؤال الذي يتردد في الكواليس ليس فقط : هل ستقع ضربة عسكرية ضد طهران؟ بل : من يملك قرار الحرب فعلًا، ومن يدفع الثمن سياسياً إذا تأخر القرار أو لم يُتخذ؟

من الواضح أن هناك سباقاً مع الزمن. إسرائيل ترى في إيران التهديد الإستراتيجي الأكبر ، ليس فقط بسبب برنامجها النووي ، بل بسبب شبكة النفوذ الممتدة عبر العراق وسوريا ولبنان واليمن. في المقابل ، الإدارة الأمريكية – أو على الأقل ترامب نفسه – يدرك أن أي مواجهة واسعة قد تتحول إلى حرب استنزاف مكلفة ، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً ، في توقيت حساس داخلياً. لذلك يبدو التردد واضحاً : رغبة في تجنب الانفجار الآن ، مع إدراك أن التأجيل قد يُفسر ضعفاً.

الضغوط الداخلية على ترامب ليست هامشية. ملف الهجرة عاد بقوة إلى الواجهة ، مع اتهامات بأن سياساته تتجاوز المعايير الدستورية والإنسانية. تحركات داخل الكونجرس لمحاولة مساءلته أو حتى التلويح بإجراءات عزل تعكس بيئة سياسية مشحونة. قضية الوثائق السرية التي نُقلت بعد انتهاء ولايته السابقة إلى مقر إقامته في فلوريدا أعادت فتح جبهة قانونية حساسة ، لأن القانون الأمريكي يعتبر الوثائق الرئاسية ملكاً للدولة ، وتخضع لإشراف الأرشيف الوطني. ومع أي تحرك قضائي جديد ، يتحول الملف إلى عبء سياسي متجدد.

ثم جاءت قرارات قضائية تتعلق برسوم جمركية كان قد فرضها ، لتضيف بعدًا آخر للصراع ، حيث يُصور الأمر على أنه تجاوز للصلاحيات الدستورية. كل هذه الملفات لا تعمل بمعزل عن بعضها ، بل تتراكم لتشكل صورة رئيس محاصر بجبهات متعددة ، في وقت تقترب فيه انتخابات التجديد النصفي التي قد تعيد رسم خريطة القوة داخل الكونجرس بالكامل. هذه الانتخابات حاسمة لأنها تحدد السيطرة على مجلس النواب وكثير من مقاعد مجلس الشيوخ، وأي تحول في الأغلبية قد يفتح الباب أمام موجة تحقيقات وتشريعات تعرقل أجندته ، بل وتمنح خصومه أدوات أقوى للضغط أو العزل.

في هذا السياق ، تصبح السياسة الخارجية ورقة داخلية بامتياز. قرار الحرب لا يُقرأ فقط في إطار الأمن القومي، بل في ميزان الانتخابات. إذا بدا ترامب متردداً أمام إيران، فقد يُصور على أنه فقد الحزم. وإذا اندفع نحو مواجهة شاملة، قد يخاطر بتكرار سيناريوهات مكلفة مثل ما حدث بعد غزو العراق عام 2003. المفارقة أن كِلا الخيارين يحمل مخاطر سياسية.

على الأرض ، التحركات العسكرية تُقرأ باعتبارها رسائل ردع أكثر من كونها إعلاناً فورياً للحرب. نشر أنظمة دفاع جوي متطورة ، وتحريك مقاتلات من طرازات متقدمة مثل F-22 وF-35 ، وإعادة تموضع قوات في قواعد إقليمية ، كلها إجراءات تحمل طابع الاستعداد والضغط النفسي. وصول حاملة طائرات إلى بحر العرب يندرج في إطار استعراض القوة ورفع سقف التهديد. في المقابل، التصريحات الإيرانية التي تتوعد برد قاسٍ تدخل ضمن لعبة الردع المتبادل، حيث يسعى كل طرف لإظهار الجاهزية دون أن يكون أول من يضغط على الزناد.

الحديث عن تسريبات تتعلق بإحداثيات أنظمة دفاع جوي إيرانية – إن صحت – يندرج ضمن حرب المعلومات، وهي ساحة موازية للحرب التقليدية. تسريب كهذا ، أو حتى الترويج له ، يهدف إلى تقويض صورة الردع الإيرانية، وإظهار هشاشة البنية الدفاعية، وهو جزء من معركة نفسية واستخباراتية مستمرة بين الطرفين.

الفرضية التي تقول إن هناك مخططاً لإعادة تشكيل الشرق الأوسط عبر إسقاط المشروع الإيراني تظل قراءة سياسية تعكس رؤية معينة للصراع. لكن الواقع أكثر تعقيداً. إيران ليست لاعباً معزولًا ، بل دولة ذات عمق جغرافي وسكاني وعسكري ، وأي مواجهة مباشرة معها ستؤثر على أسواق الطاقة ، وعلى أمن الخليج ، وعلى استقرار العراق وسوريا ولبنان. لذلك فإن حسابات الحرب لا تتعلق فقط بإرادة سياسية ، بل بتقدير كلفة المواجهة واحتمالات التصعيد غير المنضبط.

في النهاية ، المشهد يبدو كرقعة شطرنج تتحرك فيها القطع بسرعة ، بينما يحاول كل طرف إقناع الآخر بأنه مستعد للذهاب إلى أقصى مدى. ترامب يقف بين ضغط انتخابي داخلي ، وحسابات تحالفات خارجية، ومخاطر حرب قد تعيد رسم إرثه السياسي بالكامل. وإسرائيل ترى أن لحظة الحسم قد لا تتكرر. أما إيران ، فتراهن على أن خصومها لن يغامروا بمواجهة شاملة.

هل الضربة قادمة؟ الإحتمال قائم ، لكن السياسة الأمريكية علمتنا أن التهديد قد يُستخدم طويلًا قبل أن يتحول إلى فعل. الأسابيع والأشهر المقبلة ، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية ، ستكشف ما إذا كان التصعيد مجرد ورقة ضغط ، أم مقدمة لتحول عسكري كبير يعيد تشكيل المنطقة مرة أخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!