مقالات

الهند وإسرائيل : إعادة تموضع استراتيجي في قلب صراع المحاور الدولية

✍️ يوحنا عزمي

تثير زيارة رئيس الوزراء الهندي إلى إسرائيل ، وإلقاؤه خطاباً داخل الكنيست، موجة واسعة من التساؤلات والتأويلات، بين من يختزلها في عبارة “تعزيز العلاقات الثنائية”، ومن يراها انحيازاً سياسياً فجاً، وصولًا إلى من يستغرب أصلًا حدوثها بدعوى أن الهند حليف تقليدي لإيران. غير أن قراءة المشهد بهذه الطريقة العاطفية أو الدعائية تُسقط جوهر السياسة الدولية كعلم قائم على المصالح المركبة لا على الشعارات أو الاصطفافات الأخلاقية.

الزيارة ليست حدثاً بروتوكولياً عابراً ، ولا مجاملة دبلوماسية ، بل محطة جديدة في مسار بدأ يتشكل بوضوح منذ زيارة عام 2017، حين كسر رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي تقليداً استمر عقوداً بعدم الفصل العلني بين المسارين الإسرائيلي والفلسطيني في السياسة الهندية. اليوم ، تأتي الزيارة في سياق أكثر نضجاً ووضوحاً ، عنوانه الأمن والتكنولوجيا والتجارة ، لا الخطابات الرمزية.

إلقاء مودي خطاباً أمام الكنيست ليس تفصيلًا بروتوكولياً بسيطاً ، بل إشارة سياسية ذات دلالة، تضعه ضمن قائمة محدودة من القادة الذين خوطبوا من على هذا المنبر ، في لحظة إقليمية حساسة.

فالكنيست ليس مجرد برلمان ، بل منصة تعكس تموضع إسرائيل في شبكات التحالف الدولية، وكل من يقف على منبره يُمنح رمزية شراكة تتجاوز المجاملات.

أمنياً ، تدرك نيودلهي أنها تواجه بيئة إقليمية معقدة ، سواء في محيطها الآسيوي أو في التوازنات مع الصين وباكستان.

هنا يبرز البعد الإسرائيلي بوصفه موردًا تكنولوجياً وعسكرياً متقدماً ، خصوصاً في مجالات الدفاع الجوي وأنظمة الصواريخ والتقنيات الاستخباراتية. شركات مثل رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة تمثل ركيزة أساسية في تطوير أنظمة اعتراض الصواريخ الباليستية، فضلًا عن مشاريع الدفاع الجوي بالليزر المعروفة باسم القبة الحديدية الليزرية ، وهي تقنيات ترى فيها الهند قيمة استراتيجية في ظل سباق التسلح الإقليمي.

الأرقام نفسها تعكس عمق هذا التعاون ، إذ شكلت الواردات العسكرية الإسرائيلية نسبة معتبرة من احتياجات الجيش الهندي خلال السنوات الأخيرة ، ما يجعل العلاقة دفاعية الطابع بامتياز ، لا ظرفية.

اقتصادياً ، الحديث عن اتفاقية تجارة حرة بين الجانبين يتجاوز فكرة “تعزيز العلاقات” إلى إعادة تموضع في سلاسل الإمداد والتكنولوجيا. إسرائيل تنظر إلى السوق الهندية بوصفها إحدى أكبر الأسواق نمواً في العالم ، والهند ترى في الابتكار الإسرائيلي بوابة لتسريع التحول الصناعي والتكنولوجي. لذلك أقر مجلس الوزراء الإسرائيلي خطة بقيمة 148 مليون شيكل لتعزيز التعاون في مجالات التبادل الأكاديمي ، والزراعة المتقدمة ، والطاقة المتجددة ، وإنشاء مراكز تميز في الهند تعتمد على الخبرة الإسرائيلية. هذه ليست مجاملات ، بل استثمارات طويلة المدى في النفوذ المتبادل.

سياسياً ، تتقاطع هذه الزيارة مع تحولات أوسع في خريطة التحالفات. رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان قد طرح تصورات لتحالفات إقليمية ودولية في مواجهة محاور يعتبرها معادية لإسرائيل. الهند ، بقوتها الاقتصادية وصعودها الجيوسياسي ، تبدو شريكاً مغرياً في أي شبكة توازن جديدة، خصوصاً في ظل تقاربها المتزايد مع الولايات المتحدة. من هنا، يصبح توصيف العلاقة بأنها مرشحة للانتقال إلى مستوى “علاقات استراتيجية خاصة” تعبيراً عن إعادة تعريف للموقع الهندي داخل معادلة أوسع.

أما مقولة إن الهند “حليف لإيران”، فهي تبسيط مخل لطبيعة السياسة الهندية القائمة على تنويع الشراكات. نيودلهي تحتفظ بعلاقات مع طهران لأسباب جيوسياسية واقتصادية ، لكنها في الوقت ذاته تعمّق تعاونها مع واشنطن وتل أبيب ، وتعيد ضبط بوصلتها النفطية والتجارية وفقًا لحسابات المصلحة الوطنية والضغوط الدولية. في عالم متعدد الأقطاب ، لا يعني الانفتاح على طرف القطيعة مع آخر بقدر ما يعني إدارة شبكة معقدة من المصالح المتوازنة.

تزامن الزيارة مع تحركات عسكرية أمريكية في المنطقة ، ومع تصاعد التوتر حول إيران ، يضفي عليها بعدًا إضافياً ، إذ تبدو جزءًا من مشهد أوسع لإعادة ترتيب الأوراق قبل احتمالات تصعيد.

في هذا السياق ، لا يمكن فصل نيودلهي عن حسابات واشنطن ، ولا عن دورها المتنامي في التأثير على أسواق الطاقة ومسارات التجارة ، ما يمنحها وزناً يتجاوز الإطار الثنائي مع إسرائيل.

الخلاصة أن السياسة الدولية لا تُقرأ بمنطق التطبيل أو الصدمة، بل بمنهج تحليل المصالح وتقاطعاتها. زيارة مودي إلى إسرائيل ليست خروجاً عن خط تاريخي ، بل استمرار لمسار صاعد منذ سنوات، يعكس انتقال الهند من دولة توازن بين المحاور بحذر إلى قوة إقليمية كبرى تعيد صياغة موقعها بثقة.

في هذا المستوى من الحسابات ، لا مكان للشعارات ، بل للأرقام، والتكنولوجيا ، والتحالفات التي تُبنى بهدوء ثم تظهر فجأة كأمر واقع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!