مقالات

كيف تقرأ موسكو تقارب فولوديمير زيلينسكي مع العواصم الخليجية؟

✍️ يوحنا عزمي

منذ إندلاع الحرب بين أوكرانيا وروسيا ، تحول موقع فولوديمير زيلينسكي من رئيس دولة يخوض حرب بقاء إلى فاعل دولي يسعى لتوسيع نطاق حضوره خارج ساحته الأصلية. ومع تصاعد التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط، ولا سيما في ظل المواجهة المتشابكة التي تقف فيها إيران في قلب المشهد، برزت تحركات زيلينسكي في العواصم الخليجية بوصفها محاولة لإعادة توظيف خبرات الحرب الأوكرانية في سياقات جديدة تتجاوز حدود كييف.

الطرح الذي يقدمه زيلينسكي لدول الخليج لا يقوم على الدعم السياسي التقليدي أو التعاون الدبلوماسي ، بل يرتكز على عرض خبرات عسكرية وتقنية راكمها الجيش الأوكراني خلال سنوات من القتال، خاصة في مجال مواجهة الطائرات المسيرة وأنظمة الحرب غير المتكافئة. هذه الخبرات أصبحت ذات جاذبية في بيئة إقليمية تتزايد فيها أهمية المسيرات والصواريخ الدقيقة ، وهو ما يفسّر اهتمام عواصم مثل السعودية والإمارات بتبادل الخبرات الدفاعية والتقنية مع كييف ضمن أطر تعاون دفاعي معلنة.

غير أن هذا المسار يثير تساؤلات أعمق حول طبيعة التحول الذي يشهده الدور الأوكراني. فبدلاً من انحصار الجهد في إدارة معركة داخلية طويلة الأمد، يبدو أن كييف تسعى لتحويل تجربتها القتالية إلى مورد سياسي واقتصادي ودبلوماسي ، في لحظة تواجه فيها ضغوطاً مالية وعسكرية متزايدة ، وتراجعاً نسبياً في زخم الدعم الغربي. وفي هذا السياق، يصبح توسيع الشراكات الدفاعية مع دول ثرية خياراً عملياً لتخفيف الضغوط الداخلية وإظهار أن أوكرانيا ما تزال لاعباً فاعلاً على الساحة الدولية.

هذا التمدد الأوكراني خارج ساحته الأصلية لا يمكن فصله عن الحسابات الأوسع للصراع الدولي. فروسيا تراقب عن كثب أي تقارب بين كييف ودول الخليج ، ليس فقط من زاوية الدعم المالي المحتمل، بل من زاوية انتقال الخبرة العسكرية الأوكرانية إلى بيئات تعتبرها موسكو جزءاً من توازناتها الاستراتيجية مع الغرب.

ومن هنا ، يصبح رد الفعل الروسي مرشحاً لأن يتخذ أشكالاً غير مباشرة، سواء عبر أدوات الطاقة وأسواق النفط ، أو عبر تعزيز علاقاتها العسكرية مع إيران، أو تصعيد عملياتها ضد البنية التحتية الأوكرانية لإيصال رسائل ردع متعددة الاتجاهات.

في المقابل، تدرك العواصم الخليجية أن الاستفادة من الخبرة الأوكرانية لا تعني بالضرورة الانخراط في محاور صراع جديدة، لكنها تتحرك وفق منطق تنويع الشراكات الدفاعية في بيئة إقليمية متوترة. فهذه الدول تمتلك علاقات مع واشنطن وموسكو في آنٍ واحد، وتسعى غالباً للحفاظ على توازن دقيق بين القوى الكبرى، وهو ما يجعل أي تعاون مع كييف محكوماً بحسابات دقيقة لتفادي الانزلاق إلى اصطفافات حادة.

على المستوى الشخصي والسياسي ، يرتبط هذا المسار أيضاً بمستقبل زيلينسكي نفسه. فاستمرار الحرب في أوكرانيا يمنحه مساحة سياسية للبقاء في موقع القيادة ، بينما يفرض السلام المحتمل تحديات داخلية تتعلق بالمحاسبة والانتخابات وإعادة الإعمار. لذلك ، فإن تعزيز حضوره الدولي وتوسيع شبكة علاقاته الدفاعية قد يُقرأ كجزء من استراتيجية أوسع للحفاظ على ثقله السياسي، داخلياً وخارجياً.

المشهد في مجمله يكشف عن تداخل معقد بين بقاء الأنظمة، وضرورات الاقتصاد، وحسابات الحرب ، وتوازنات القوى الدولية. أوكرانيا، التي كانت ساحة صراع بين الشرق والغرب، تحاول اليوم تصدير خبرتها إلى ساحات أخرى. ودول الخليج، التي تسعى لتعزيز قدراتها الدفاعية في بيئة إقليمية ملتهبة، ترى في تلك الخبرة قيمة عملية. أما روسيا ، فتنظر إلى هذا التقاطع باعتباره امتداداً غير مباشر لميدان المواجهة معها.

بهذا المعنى ، لا يتعلق الأمر بتحالفات تقليدية بقدر ما يتعلق بإعادة تدوير خبرات الحرب في أسواق السياسة الدولية ، حيث تتحول التجربة العسكرية إلى أداة نفوذ ، وتصبح ساحات الصراع مترابطة عبر المصالح والحسابات ، في عالم لم تعد فيه الحروب محصورة داخل حدودها الجغرافية الأولى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى