القدس تشتعل دينياً : منع بطريرك كنيسة القيامة يشعل أزمة عالمية مع الفاتيكان وإيطاليا

✍️ يوحنا عزمي
ما جرى في القدس خلال الساعات الأخيرة لم يكن مجرد إجراء أمني عابر ، ولا تفصيلًا صغيراً في مشهد الصراع الطويل ، بل حدث ذو أبعاد دينية وسياسية ودبلوماسية متشابكة ، أعاد فتح ملف حساس ظل لسنوات يُدار بحذر شديد: ملف حرية العبادة والرمزية الدينية للمدينة التي تمثل قلباً روحياً لمليارات البشر حول العالم.
القدس في هذه الأيام تعيش حالة استثنائية من الإجراءات المشددة ، حيث تحولت محيطاتها القديمة إلى نقاط تفتيش عسكرية كثيفة ، وقيود صارمة على الحركة والوصول إلى الأماكن المقدسة. هذه الإجراءات لم تعد تقتصر على محيط المسجد الأقصى كما اعتاد العالم أن يرى في الأشهر الماضية، بل امتدت لتطال كنيسة القيامة، أحد أقدس المواقع المسيحية على الإطلاق، وهو ما منح المشهد بعداً جديداً يتجاوز السياق الأمني التقليدي إلى ما يشبه الصدمة الدينية العالمية.
في هذا المناخ ، جاءت واقعة منع البطريرك اللاتيني للقدس الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا ، ومعه حارس الأراضي المقدسة المونسنيور فرانشيسكو إيلبو، من الدخول إلى كنيسة القيامة لإقامة قداس يرتبط ببداية أسبوع الآلام وفق التقويم الغربي.
الواقعة في حد ذاتها بدت صادمة ليس فقط بسبب الشخصيات المعنية ، بل بسبب رمزية التوقيت والمكان ؛ فهذه المناسبة تُعد من أهم الطقوس السنوية في الكنيسة ، وترتبط بذكرى دخول السيد المسيح إلى القدس ، وهي طقوس تُقام منذ قرون دون انقطاع يذكر حتى في أزمنة الاضطرابات الكبرى.
المفارقة أن الزيارة لم تكن ذات طابع احتفالي أو رسمي أو جماهيري ، بل كانت بسيطة ومحدودة ، ومع ذلك تم التعامل معها باعتبارها مخاطرة أمنية تستدعي المنع. التبرير الرسمي الذي تحدث عن مخاوف من الشظايا أو الأوضاع الأمنية لم يكن كافياً لإقناع الرأي العام المسيحي أو الدبلوماسي، لأن الرسالة التي وصلت كانت مختلفة : أن الوصول إلى أقدس موقع مسيحي بات خاضعاً لحسابات عسكرية صرفة ، دون مراعاة لحساسية الرمزية الدينية.
هذا التطور سرعان ما تجاوز حدود القدس ليصل إلى العواصم الأوروبية والفاتيكان. إيطاليا تحديداً وجدت نفسها في قلب الحدث، ليس فقط لأن الشخصيتين المعنيتين إيطاليتان ، بل لأن الفاتيكان يمثل مرجعية روحية مباشرة لهما. التصريحات الصادرة من روما حملت لهجة غير معتادة ، ووصفت ما جرى بأنه مساس بكرامة المؤمنين المسيحيين حول العالم ، في صياغات دبلوماسية توحي بوجود استياء عميق يتجاوز مجرد الاحتجاج البروتوكولي.
أما الفاتيكان ، فتعاطيه مع المسألة أظهر أن الأمر لم يُنظر إليه كحادث محلي ، بل كإشارة خطيرة إلى وضع الأماكن المقدسة في القدس. الخطاب البابوي الذي شدد على رفض توظيف الدين لتبرير الحروب أو العنف ، وإن جاء بصياغة روحية عامة ، فُهم سياسياً على نطاق واسع باعتباره رسالة أخلاقية موجهة إلى الأطراف المنخرطة في الصراع ، وفي مقدمتها القوى الكبرى الداعمة لإسرائيل. مثل هذه الرسائل عندما تصدر من أعلى سلطة دينية كاثوليكية ، فإنها تتجاوز بعدها الروحي لتدخل مباشرة في المجال السياسي والأخلاقي الدولي.
التقارير التي تحدثت عن استدعاء السفير الإسرائيلي في الفاتيكان تعكس أن الأزمة لم تبق في إطار التصريحات ، بل انتقلت إلى مستوى دبلوماسي رسمي. وهذا تطور نادر نسبياً في العلاقة بين الفاتيكان وإسرائيل ، التي ظلت لسنوات تُدار عبر قنوات هادئة تراعي حساسية الأماكن المقدسة وخصوصية وضع القدس.
في السياق الأوسع ، تبدو هذه الواقعة وكأنها تكشف تحولًا في طبيعة التعاطي الإسرائيلي مع ملف القدس الديني. فالصورة التي سعت إسرائيل طويلًا إلى ترسيخها باعتبارها حامية لحرية العبادة لجميع الأديان باتت تتعرض لاختبار قاس، خاصة عندما تمتد القيود لتطال قيادات دينية مسيحية رفيعة المستوى في موقع بقداسة كنيسة القيامة. وهذا ما جعل الحدث يتردد صداه بسرعة في الإعلام الغربي والكنسي، باعتباره مؤشراً على تآكل الهامش الذي كان يُمنح تاريخياً لإدارة الشأن الديني في المدينة بعيداً عن الحسابات الأمنية الضيقة.
النتيجة أن المشهد لم يعد يُقرأ فقط كجزء من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ، بل كقضية تمس العالم المسيحي مباشرة ، كما تمس العالم الإسلامي من قبل في ملف المسجد الأقصى. وهذا التقاطع بين المقدسين الإسلامي والمسيحي في سياق القيود الأمنية يخلق صورة غير مسبوقة ، توحي بأن القدس تدخل مرحلة جديدة من التوتر الديني المركب ، حيث تتلاقى حساسيات الأديان الكبرى في نقطة احتكاك واحدة.
ما حدث في القدس إذن ليس مجرد واقعة منع ، بل لحظة كاشفة لطبيعة المرحلة ، حيث تتداخل السياسة بالدين ، والأمن بالرمزية الروحية، والدبلوماسية بالوجدان العقائدي لملايين البشر. وهي لحظة مرشحة لأن تترك أثراً طويل المدى على صورة إسرائيل في الغرب المسيحي ، وعلى طريقة تعامل الفاتيكان وأوروبا مستقبلًا مع ملف القدس والأماكن المقدسة فيها.



