المسكوت عنه: ورقة شاؤول

أحمد المقدم
يقول الإنجليز: “elephant in the room” وليس المقصود هو المعنى الحرفي للكلمة بل المعنى الدلالي وهو “المسكوت عنه” الذي يحتاج إلى الطرح. وهنا نسبر أغوار الماضي الذي أتعب الحاضر وأعجز المستقبل، وهنا تنقلب الآية فلا يكون السكوت أبدا من ذهب، أما بعض الكلام فقد يُكتب بماء الذهب.
لم تذكره المصادر بالاسم، ربما اسمه شاؤول. ومثلما كان شايلوك تاجر البندقية الجشع وابنته الحسناء چيسيكا، فقد كان لشاؤول ابنة حسناء ربما كان اسمها راحيل. كان اليهودي شاؤول تاجرا في مصر
الفاطمية بين عامي 950 و 1200 من الميلاد.
ولطالما عُرف المجتمع اليهودي بأنهم مجتمع فصل عنصري ينغلق على أفراده دون من يدعونهم بالأغيار من المسلمين والنصارى. وقد أتى أحدهم ليخطب راحيل، لكي يقوم شاؤول بصياغة ورقة وقد جاء فيها بيان محتويات شقتها بكل مشتملاتها من غرف و حاجيات المطبخ وخلافه. وقد اتفق الطرفان على المنصوص عليه في تلك الورقة. وقد سار يهود مصر الفاطمية على دأب شاؤول. فكيف يحتفظون بحق ما أتى به أهل الفتاة قبل زواجها إن لم يكن هناك عقد أو ورقة يُحتكم إليها وقت الطلاق؟ وهذا ما راق للمسلمين في مصر الفاطمية،فقد أقروا ما فعله شاؤول بحق ابنته الحسناء راحيل في جنيزة قاهرة المعز ما يُعرف بشتر المقدم أو الكتوبة اليهودية(وهي هنا ورقة شاؤول). ففي وقت كان العز فيه قد بلغ مبلغه مما كان فيه المجتمع المصري من ثراء حتى استقلل المصريون ما يقدم من مهر فلم يكن ضامنا لحق الفتاة إذا تم تزويجها.
وفي مصر المملوكية قد كانت ورقة شاؤول ورقة مقدسة في زيجات كثير من المصريين الذين اختلطوا بقوم شاؤول.
وفي عهد محمد علي باشا، صارت ورقة شاؤول عرفا يصارع الشرع حتى تمكن من التغلب عليه مع سن القانون ٢٥ من قانون الأحوال الشخصية لعام ١٩٢٠ والذي أقر بمشروعية ورسمية ورقة شاؤول والتى تم اعتبارها لاحقا بمنزلة إيصال أمانة حال قام الزوج بما لا يحمد عقباه لدى زوجه.
كيف أحالت ورقة المجتمع المصري إلى مجتمع قد اختلت فيه المعايير و تبادلت الأدوار؟ لطالما كان الزواج، كأحد أهم الظواهر الاجتماعية في أي مجتمع بشري عبر التاريخ وبخاصة في المجتمع المصري، مرتبطا ارتباطا وثيقا بالظروف الاقتصادية المحيطة. لقد كان ينظر إلى المجتمع المصري على أنه مجتمع ذكوري، أو أبوي. وكانت هناك ممارسات قمعية بحق المرأة رغم وجود ورقة شاؤول ( ودعنا نسميها باسمها الآن: قائمة المنقولات الزوجية) حيث لم يعش المجتمع الدولي،والمصري خاصة تلك الموجات المتلاحقة من الغلاء. ولكننا نتحدث عن مجتمع عاش فيه أسلافنا وأجدادنا الذين أدرك بعضنا بعضهم فلم يتحدثوا، نساؤهم قبل رجالهم، سوى بالخير عن أيامهم الخوالي.
هناك علاقة عكسية بين التنوير والقمع. وهناك فارق بين القمع (والذي هو ظاهرة مجتمعية قد يقبلها العرف ذاته الذي أقر بتلك الورقة) ، والعنف الأسري (الذي هو ظاهرة فردية يعاقب عليها القانون الذي أقر بالورقة أيضا)
القمع في المجتمع الأبوي قد تتباين فيه نوايا الرجل، ولكن لم تكن جداتنا ليتحدثن بذاك المقدار من الحب والتقدير لأجدادنا إلا لما لمسنه من تقدير وحب وغيرة من أزواجهن.
ومؤشر آخر هو حالات الطلاق المسجلة رسميا والذي كان في عام 1990 أقل من 150 ألف حالة سنويا ثم ازداد المؤشر إلى220،036 حالة في عام 2020 حتى كان آخر رقم تم تسجيله من قبل جهاز التعبئة والاحصاء قد بلغ 273.892 حالة عام 2024
و قد كان أدخل قانون الخلع للمرة الأولى عام 2000 لكي يسجل حالات بلغت حوالى 100
حالة عام 2024. ولم يكن هناك زيادة تستحق ما يشاع كموجة على منصات التواصل. إلا أنه في مجتمع يحاول جاهدا الحفاظ على ما تبقى من أبويته يقوم الرجل في حالة الانفصال بتحقيق مقولة (بيدي لا بيد عمرو) فنلجأ إلى تبعيات ذلك السلاح الفتاك، ورقة شاؤول.
لقد أراد القدر أن تقرأ أعين لم تقرأ من قبل، في وقت طغت فيه معلوماتية لم يرق لها أسعار الذهب وقتما كان يُشترى دون عناء. فجاء التنوير وحط الركود الاقتصادي وأصبح الرجل بين مطرقة الحياة وسندان الورقة.
وفي الختام، احتكم العرف والشرع إلى القانون، فانصاع القانون إلى الأول وتوارى الأخير تحت ظل المآذن.



