“ملاك”

لجين سامح
حين استيقظت كنت على فراشي، مدثرة بالأغطية، والشمس تداعب جبيني، وصوت الموسيقى يعلو من الغرفة المجاورة، أدرك يقينًا أنه “عمر”، اكتفي بسماعها، ولا أحاول أن أخبره كم هو موسيقي رائع.. وكم أرغب في التعلم منه..
يطرق بابي، وأعود إلى غرفة الآنسة من جديد
” كيف حالك اليوم؟”
” أنا بخير.. حلمت بحلم جيد”
اخضّب وجهي وكسته الحمرة حين سألتني عن ما هية الحلم، ” كنت أتعلم العزف..”
واستقصيت جملة ” مع عمر”
” هل تحبينه؟”
” من هو؟”
” العزف بالطبع ملاك.. أم أن هناك شيئًا آخر؟”
” لا.. لا”
مؤخرًا أتممت السابعة عشر، وعلى عتبة أنوثتي بدأت أشعر بذلك الإعجاب الجارف..
انتشلتني الآنسة من شرودي
” حسن ملاك.. من أين نبدأ؟”
” لقد.. كنت أغني، وكان أبي أيضًا، قبل أن يتوفى في حادث
كان عامل بناء، وكان لدينا بيت صغير تفوح منه رائحة الخبز الطازج، الفول، وأحيانًا اللحم
وتسمع فيه الأغنيات، ميادة الحناوي، أم كلثوم، وعبد الحليم
ما زلت أذكر صوت أبي وهو يدندن طوال الليل :” جانا الهوى جانا.. ورمانا الهوى رمانا، ورمش الأسمراني..”
وفي الصباح يدندن ” غلبني الشوق وغلبني..”
كنا فقراء، لكن كانت هناك أغنية لكل مناسبة..
كانت هناك ابتسامات تطوى في عينيّ أمي، وتجاعيد فم أبي
إلى أن جاء ذلك الحادث اللعين، طردنا شر طردة، لم أكن تجاوزت الستة أعوام بعد، انقضت أموال التعويضات في سداد ديوننا، وأصبح الشارع مأوى
ولم تعد أمي أمي، ولم يعد أبي ينتظرني صباحًا ليحضر الفطور.. لم يعد أبي
وكبرت أنا عشرة أعوام مرة واحدة
وأبى حلقي أن يغني
لكنني رغم ذلك غنيت، على قارعة الطريق، في القطار، و رصيف الأنفاق
لم أبال إن كان صوتي سيئًا، أو رمقني المارة بازدراء، لم أبالِ إن ضربتني أمي، وإن انهال الرجال- السيئين- علي بالشتائم
لم أبالِ وأكملت:” ما رمانا الهوى ونعسنا والي شبكنا يخلصنا، والي شبكنا يخلصنا..”
” صوتك عذب يا ملاك! لكم أنت ملاك حقًا!..”
غنيت، واجتمع الناس من المبنى، ودخل عمر … دخل عمر الغرفة بجيتاره، وعزف
وغنيت..
وشعرت أنني أحلق، أن هذا الكون بما ضاق علي قد اتسع، أن صوتي تحررّ، وأن وحش أمي قد صُرع..
غنيت وتلاقت أعيننا
ونظرت نحو المرآة المعلقة على الجدار، شعري البني المنساب على كتفي، عيني اللوزيتيين، وبشرتي التي تشربت بالحمرة..
نظرت نحو قوامي المشدود، وأنفي الصغير، ولاحظت.. عينيه تتربصان بي، عينيه الفحميتين، وتقترب يداه.. تمسك بخصلة منسابة من شعري، ويهمس: أنا آسف، فقط أردت إعادتها إلى مكانها..
تنظر الآنسة إلي وتبتسم.
أبتسم بدوري
” والي شبكنا يخلصنا.. والي شبكنا يخلصنا، ده حبيبي شغل بالي.”



