
“هناك رجال يموتون فتغلق خلفهم صفحات التاريخ، وهناك رجال يرحلون فتبدأ الحكاية الحقيقية”.
في القاهرة عام 985م، ولد طفل لم يكن أحد يستطيع أن يتنبأ بأن حياته ستتحول يومًا إلى واحدة من أكثر الحكايات غموضًا في تاريخ مصر.
كان اسمه المنصور بن العزيز بالله، ابن الخليفة الفاطمي العزيز بالله.
ولد المنصور داخل القصر، حيث كانت الخلافة بالنسبة إليه إرثًا عائليًا، لا حلمًا شخصيًا.
لكن القصر الذي منحه الحياة كان يخفي له قدرًا أثقل من عمره.
ففي عام 996م، مات والده العزيز بالله، ولم يكن المنصور قد تجاوز العاشرة من عمره. وبين ليلة وضحاها، انتقل الطفل من مقاعد الطفولة إلى عرش الدولة.
تولى المنصور الحكم بلقب الحاكم بأمر الله، بينما كانت الدولة في حاجة إلى من يدير شؤونها حتى يكبر الصبي.
غير أن السنوات التي مرت عليه فوق العرش لم تكن مجرد سنوات انتظار؛ كانت سنوات صنعت شخصيته، ودفعت به تدريجيًا من ظل رجال الدولة إلى مركز السلطة نفسه.
وحين بلغ الحاكم سن يسمح له بإدارة أمور الدولة، بدأ يمسك بخيوط الحكم بيده، وهنا ظهرت الشخصية التي ستجعل المؤرخين يختلفون حوله قرونًا طويلة.
لم يكن الحاكم حاكمًا يسهل التنبؤ به.
كان شديد الحضور، قوي السلطة، ويميل إلى إصدار أوامر تمس تفاصيل الحياة اليومية.
وارتبط عهده بقرارات أثارت دهشة كبيرة، بعضها تغير لاحقًا، كما اتخذ مواقف قاسية تجاه بعض الجماعات والمؤسسات الدينية في فترات من حكمه.
وبدل أن يكون العرش مجرد مكان يجلس عليه الخليفة، أصبح الحاكم يستخدمه لإعادة تشكيل المجتمع من حوله.
كما كان للعلم مكان واضح في عهده، فأنشأ في عام 1005من الميلاد دار الحكمة، أو دار العلم بالقاهرة، وجعلها مركزًا للعلم والكتب.
وفي العمارة، ارتبط اسمه بأحد أشهر مساجد القاهرة؛ جامع الحاكم بأمر الله. كان والده العزيز بالله قد بدأ بناءه، ثم جاء الحاكم فأتمه، ليبقى المسجد بعد قرون طويلة شاهدًا حجريًا على عصره.
وهكذا بدأ اسمه يخرج من حدود القصر.
أصبح الناس يتحدثون عنه في الأسواق والبيوت والمساجد، ويتابعون قراراته كما لو أنهم ينتظرون كل صباح فصلًا جديدًا من حكاية لا يعرفون نهايتها.
لكن اختزال الحاكم في غرابة بعض قراراته سيكون ظلمًا للتاريخ؛ فقد كان عهده أيضًا جزءًا مهمًا من تطور القاهرة الفاطمية، وشهد نشاطًا عمرانيًا وفكريًا وسياسيًا.
كان الرجل إذن يعيش في مفارقة غريبة:
خليفة يبني ويأمر ويؤثر في الحياة من حوله، وفي الوقت نفسه تزداد حول شخصيته طبقات الغموض.
ومع مرور السنوات، لم يعد الحاكم بأمر الله مجرد خليفة في كتب التاريخ؛ أصبح شخصية تحيط بها الحكايات، ويختلط عندها الواقع بالأسطورة.
ثم جاء عام 1021م.
خرج الحاكم ليلًا باتجاه المقطم.
ومرة أخرى، كان الليل أكثر قوة من القصر.
اختفى، عثر على دابته وبعض متعلقاته، لكن الحاكم نفسه لم يظهر.
لم تكن هناك جنازة ملكية.
لم يكن هناك قبر مؤكد.
لم يكن هناك مشهد أخير يستطيع المؤرخ أن يمسك به ويقول: هنا انتهت الحكاية.
ومنذ ذلك اليوم، بدأت الأسئلة.
هل قتل؟
هل دبرت مؤامرة للتخلص منه؟
هل اختار الاختفاء بنفسه؟
أم أن الحقيقة ضاعت في تلك المسافة المظلمة بين القاهرة والمقطم؟
لا نملك إجابة قاطعة.
لكن المؤكد أن الحاكم بأمر الله لم يترك خلفه دولة فقط، بل ترك واحدة من أكثر القصص غموضًا في تاريخ مصر.



