حوار/ رحمة خميس
- كل رواية شرارة أولى. ما الذي أشعل في ذهنكِ فكرة رواية تدور أحداثها في حقبة تاريخية شائكة بالجزائر؟ هل كان حدثًا تاريخيًا معينًا، صورة، أم شخصية ألهمتكِ للبدء؟
في الحقيقة أنا مستثارة بالتاريخ دائماً، وغالباً ما أجدني بمنتصف الأتربة أنفخ بشفتيّ سنوات الزمن تباعاً حتى أصل إلى حقبة مشحونة بالصراعات؛ هناك أجلس بشيء من الوله لآخذ من القصص هياكل صلبة، وأرسم نمطاً قصصياً بأسلوبي الخاص. لم أتخذ الجزائر عاملاً أساسياً لتدوين تاريخها، بل استلهمتُ ثراءها الغني بالأحداث ورسمتُ قصتي هناك. هي خلفية جزائرية لأحداثٍ قد تقع في شتى بقاع العالم؛ لم يكن حدثاً بعينه هو الملهم، لكنني اخترتُ هذا البلد تحديداً كهيكل للرواية لأن ثقافتها تخدم مآرب الأحداث التي نسجتها.
-“رقصة بزقاق العدو” عنوان شاعري وقوي. حدثينا عن رحلة اختيار هذا العنوان، وهل كان هو الاسم الأول الذي استقر في ذهنك للرواية؟
بالطبع لم يكن الاختيار الأول، فقد خطر بذهني عندما أوشكتُ على تجفيف قلمي وإقفال صفحات الرواية؛ حينها نظرتُ إلى ما كتبته من ملحمة تاريخية رومانسية فوجدته أشبه بالرقصة. الرقص هناك ليس متناغماً هادئاً، بل هو عرض مشوق بين الولاء والتخاذل، الهوية والهوى.. أن ترمي قلبك في بؤرة الأعداء ثم تدور الأزقة لتبحث عنه. هي تلك الازدواجية بين الحب والثأر، القتل وإشباع شهوات القلب، وأن تتراقص دون خوف وسط ركام الزمان المتناثر.
-ما هو التحدي الأكبر الذي واجهكِ ككاتبة أثناء العمل على هذه الرواية؟ هل كان البحث التاريخي الدقيق، أم بناء المشاعر المعقدة للشخصيات في ظل هذا الصراع؟
كما أخبرتكم، لم أتخذ الجزائر لسرد حقائقها بل كخلفية إنسانية، لذا كان التحدي الذي يلهث أنفاسي هو السباق للموازنة بين “ما يحدث” و”ما يجب أن يحدث”؛ أن لا يطال العمل فتنة الإسفاف العقلي للقارئ، وألا تكون الرواية مجرد خطابات عن الهوية. كنتُ أغزل خطوات الرقصة بمنطقية؛ أن تبدو الشخصيات واقعية لا خارقة، يتألمون لفقد الوطن ويحاربون شرور أنفسهم، وبين هذا وذاك لا يصمون آذانهم عن حقيقة المشاعر الفطرية والطبيعية لأي إنسان.
-كل رواية تحمل رسالة أعمق للقارئ. ما هي الفكرة الجوهرية أو السؤال الذي كنتِ تأملين أن يظل عالقًا في ذهن القارئ بعد أن ينهي رحلته مع الرواية؟
كنتُ آمل دائماً أن يطرق عقل القارئ سؤال واحد: هل الهوية هي العامل الأساسي المحرك لدفة القلب؟ أم أن القلب حين تدب دقاته وتعلو، يلغي أصوات العقل ويبرّد نيران الغضب؟
-الكتابة عن فترة تاريخية تتطلب مسؤولية كبيرة. كيف تعاملتِ مع هذه المسؤولية؟ وهل كان هدفكِ هو توثيق التاريخ أم استخدامه كمسرح لصراعات إنسانية خالدة؟
التاريخ بالنسبة لي هو المسرح الأكبر الذي يختبر معادن البشر تحت الضغط. تعاملتُ مع الحقبة بمسؤولية من يحترم قدسية الأرض، لكنني كنتُ أعيد صهر الأحداث لأصنع منها مرآة تعكس صراعات إنسانية خالدة. فالحروب والاحتلال والدمار قد تقع في أي مكان، لكنها هنا كانت “المختبر” الذي ألقيتُ فيه بأبطالي لأرى: هل ستنتصر نيران الغضب أم سيغلبها رماد الندم؟ التاريخ في روايتي هو الجدار الذي استندتُ إليه لأحكي قصة أرواحٍ تحاول التنفس وسط دخان الحرائق.
- بعد أن تنتهي “الرقصة” ويُسدل الستار على أزقة الجزائر القديمة، ما هي الفكرة أو الشعور الذي تتمنين أن يبقى مع القارئ ويتردد في ذهنه طويلًا بعد إغلاق الكتاب؟
أتمنى أن يخرج القارئ بشعور “الحيرة المنصفة”؛ ألا يغلق الكتاب وهو يملك حكماً قاطعاً، بل وهو يتساءل: كيف يمكن للإنسان أن ينجو من شروره؟ وكيف للحب أن يكون أحياناً هو أقسى أنواع القتال؟ أتمنى أن يبقى في ذاكرتهم صدى خطواتٍ تراقصت في زقاقٍ لم يكن يوماً آمناً، ومع ذلك اختار أصحابه الرقص فيه حتى الرمق الأخير. أريد للقارئ أن يشعر بانتصار الذات؛ أن الحياة تبدأ دائماً من قرارٍ صغير يُتخذ داخل قلوبنا.
وهكذا، بين صراع المبدأ ونبض العاطفة، تركتنا زينب عبد الحفيظ مع سؤال يتردد
صداه في أزقة التاريخ والروح: هل يمكن لخطوات رقصة أن تمحو آثار احتلال كامل؟
“رقصة بزقاق العدو” ليست مجرد رواية تاريخية، بل كهوة جريئة لإعادة النظر في مفاهيم العداوة والحب والوطن، وتأكيد على أن أقوى الحروب هي تلك التي نخوضها داخل أنفسنا. نشكر الكاتبة زينب عبد الحفيظ على هذا الحوار الممتع العميق، ونترك للقراء متعة اكتشاف هذ الرقصة بأنفسهم




