مقالات

صاروخان على قبرص .. هل فتحت إيران باب المواجهة مع الناتو أم وضعت نفسها أمام أخطر إختبار استراتيجي في تاريخها الحديث؟

✍️ يوحنا عزمي

إيران بتنتحر حرفياً .. من ساعات طهران ارتكبت تصرفاً قد يكون الأخطر منذ بداية المواجهة ، خطوة يصعب فهم دوافعها وتصعيد يأخذ الأزمة إلى منحنى بالغ الخطورة والتهور السياسي والاستراتيجي.

وزير الدفاع البريطاني جون هيلي خرج بتصريحات أكد فيها رصد إطلاق صاروخين إيرانيين باتجاه جزيرة قبرص، وتحديداً نحو القواعد العسكرية البريطانية هناك، والتي تُستخدم كمراكز دعم لوجستي واستخباراتي للقوات الأمريكية والبريطانية في شرق المتوسط.

قد يبدو للبعض أن المسألة عادية ، فالقواعد الأمريكية والبريطانية منتشرة في الخليج ، فما الفارق؟ 

الفارق هائل .. نحن لا نتحدث عن منشآت عسكرية في دولة ثالثة فحسب ، بل عن قواعد بريطانية على أراض تخضع للسيادة البريطانية ، وبريطانيا عضو مؤسس في حلف شمال الأطلسي ، ما يفتح الباب نظرياً أمام اعتبار أي استهداف مباشر لقواتها اعتداءً قد يُفسر ضمن إطار الدفاع الجماعي. وهنا لا يعود الأمر رداً ثنائياً محدوداً ، بل احتمال انخراط تحالف كامل بقدرات عسكرية هائلة لا تملك إيران رفاهية مواجهتها في حرب مفتوحة.

السيناريو الأخطر يبدأ من لحظة إعتبار ما حدث تجاوزاً للخطوط الحمراء ، حيث يمكن أن نشهد انطلاق مقاتلات من قواعد تابعة للناتو في إيطاليا واليونان وتركيا للمشاركة في ضرب منصات إطلاق الصواريخ داخل العمق الإيراني ، تمهيداً لعملية أوسع تستهدف منظومات الدفاع الجوي الإيرانية مثل S-300 وباور 373، بهدف فتح المجال الجوي أمام القاذفات الثقيلة والصواريخ بعيدة المدى.

وفي حال قرر الحلف الذهاب أبعد من ذلك ، قد يتحول المشهد إلى ضربات بحرية مباشرة ضد ما تبقى من الزوارق الحربية والفرقاطات الإيرانية في الخليج ، لضمان عدم إغلاق مضيق هرمز ، الشريان الحيوي لتدفق الطاقة إلى أوروبا والعالم.

الأمر لا يتوقف عند الرد العسكري التقليدي ، فالحلف قادر أيضاً على فرض حصار بحري وجوي شامل يمنع أي طائرة أو سفينة من الدخول أو الخروج من إيران ، وهو ما يعني خنقاً اقتصادياً وعسكرياً متدرجاً قد يعيد تشكيل التوازنات في المنطقة بالكامل.

بضربة صاروخين بلا جدوى إستراتيجية واضحة ، تكون طهران ـ إن صحت المعطيات ـ قد منحت خصومها مبرراً دولياً واسعاً لتوسيع نطاق المواجهة تحت شعار حماية الأمن الجماعي وتأمين الملاحة الدولية.

البعض قد يراهن على أن موسكو أو بكين ستقفان حائط صد أمام أي تحرك واسع، لكن الحسابات أكثر تعقيدًا. روسيا والصين تتحركان وفق مصالح دقيقة، وغالباً ما تفضلان إدارة الصراع من مسافة آمنة دون الانخراط في مواجهة مباشرة مع حلف يضم قوى عسكرية واقتصادية كبرى. بل إن دخول إيران في مواجهة مفتوحة قد يضعهما أمام معادلة صعبة بين الدعم السياسي والحفاظ على مصالحهما الأوسع مع الغرب.

السؤال الجوهري : لماذا قد تُقدم طهران على خطوة كهذه أصلًا؟

هناك عدة احتمالات تحليلية 

رسالة ردع : إظهار أن أي دعم لوجستي أو استخباراتي للخصوم لن يكون بعيداً عن النيران.

اختبار حدود الرد : قياس سقف التحمل الغربي قبل الذهاب إلى خطوات أكبر.

رفع كلفة المشاركة غير المباشرة : حتى لو لم تعلن بريطانيا مشاركتها علناً في عمليات هجومية ، فاستهداف قواعد دعم قد يكون رسالة بأن الحياد الظاهري لا يعفي من المسؤولية.

حسابات داخلية : أحياناً التصعيد الخارجي يُستخدم لإعادة ضبط الداخل سياسياً أو تعبوياً.

أما فرضية التنسيق الثلاثي مع موسكو وبكين ، فهي معقدة. 

كل من روسيا والصين تتحركان وفق مصالح دقيقة ، وغالباً تفضلان استنزاف الغرب سياسياً واقتصادياً دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع الناتو بسبب خطوة إيرانية. دعمهما ـ إن وجد ـ سيكون سياسياً أو دبلوماسياً أو اقتصادياً لا دخولًا عسكرياً مباشراً في حرب مفتوحة مع الحلف.

الخطوة ـ إن كانت مؤكدة ومتعمدة ـ تصعيد خطير جداً ، لكنها لا تعني تلقائياً حرباً عالمية أو تفعيلًا فورياً للمادة الخامسة. القرارات الكبرى في مثل هذه اللحظات تُبنى على ميزان المصالح ، لا على ردود فعل عاطفية.

في الحروب الحديثة ، أخطر شيء ليس الصاروخ نفسه بل الحسابات الخاطئة حول كيف سيفسره الطرف الآخر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!