مقالات

حرب الاستنزاف وإعادة تشكيل ميزان القوة في الشرق الأوسط

✍️ يوحنا عزمي

صراع يتجاوز الميدان ليختبر حدود الهيمنة ويعيد رسم أدوار القوى في الإقليم

في وسط صراع تتشابك فيه الحسابات العسكرية مع الرهانات السياسية والاقتصادية ، لم تعد الحرب تُقرأ باعتبارها مواجهة مباشرة بين أطرافها الظاهرة فقط ، بل باعتبارها ساحة أوسع لإعادة ترتيب موازين القوة في الشرق الأوسط. تتجاوز المعركة حدود الميدان لتلامس صورة الهيمنة الدولية ، وقدرة القوى الكبرى على إدارة الإقليم ، وطموح القوى الإقليمية لملء أي فراغ قد ينشأ.

من هذا المنظور ، يصبح طول أمد الحرب وكلفتها وتداعياتها عنصراً حاسماً بقدر أهمية نتائجها العسكرية ، وتتحول المواجهة إلى إختبار مفتوح لإرادة الأطراف وقدرتها على الاحتمال وإعادة التموضع.

يطرح هذا الطرح تصوراً يعتبر أن الحرب الدائرة لا تُفهم فقط بوصفها مواجهة مباشرة بين إسرائيل وإيران ، بل بوصفها مسرحاً أوسع تُعاد فيه صياغة موازين القوة في الشرق الأوسط عبر استنزاف طرف ثالث هو الولايات المتحدة.

الفكرة المركزية هنا أن إسرائيل تنظر إلى الصراع كفرصة إستراتيجية مزدوجة : مواجهة خصمها الإقليمي من جهة ، ودفع واشنطن إلى تورط طويل ومكلف من جهة أخرى ، بحيث تتحول الحرب إلى عبء ثقيل على القوة الأميركية سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. ووفق هذا التصور ، لا يُراد هزيمة أمريكا عسكرياً ، بل إظهارها أمام العالم في صورة القوة التي عجزت عن الحسم ، وتورطت في صراع معقد يطول أمده وتتزايد كلفته.

في المقابل ، يُصور أن إيران لا تخوض الحرب بمنطق الضربة الحاسمة أو الانهيار السريع ، بل بمنطق الصبر الطويل وتحويل المواجهة إلى حرب استنزاف متعددة الأبعاد. هذا الاستنزاف لا يقتصر على الميدان العسكري ، بل يمتد إلى الاقتصاد والطاقة والممرات البحرية والرواية السياسية المصاحبة للصراع.

كلما طال أمد الحرب ، وكلما ارتفعت كلفتها على واشنطن ، يصبح الصراع – وفق هذا التحليل – وسيلة ضغط غير مباشر على الهيبة الأميركية ومكانتها الدولية ، ويغدو الهدف هو إظهار أن إدارة هذا الإقليم باتت أكثر تعقيدًا وكلفة مما تستطيع الولايات المتحدة تحمله.

ويذهب التصور إلى أن إسرائيل تستفيد من هذا المشهد بوجه مختلف ؛ فكل يوم إضافي في الحرب يعني زيادة في الإنهاك الأميركي ، وكل تعقيد جديد في الصراع يعمّق صورة العجز عن الحسم. ومع تراكم هذه الصورة، يمكن لإسرائيل – في هذا المنطق – أن تقدم نفسها باعتبارها الطرف الأكثر حسماً وقدرة على استخدام القوة وتحمل الكلفة ، أي باعتبارها مرشحًا لملء أي فراغ إستراتيجي قد ينشأ إذا تراجعت الولايات المتحدة عن دورها التقليدي في المنطقة.

ومن الجهة الأخرى ، تُقدم إيران باعتبارها الطرف الذي يجعل هذا الإنهاك الأميركي ممكنًا، ليس عبر إسقاط واشنطن بضربة واحدة، بل عبر منع الحرب من الوصول إلى نقطة حسم سريعة، والرد على الضربات بطريقة تفرض استمرار الكلفة. هنا تتحول الحرب إلى أداة لإعادة تعريف ميزان القوى ، بحيث تصبح كل ضربة وكل رد وكل تهديد للممرات البحرية والطاقة عنصرًا في معادلة أوسع تُربك الحسابات الدولية وتحوّل الصراع من مواجهة محلية إلى أزمة عالمية لها تداعيات اقتصادية وسياسية تتجاوز حدود المنطقة.

ويتسع هذا التصور ليشمل الداخل الأميركي نفسه ، حيث يُفترض أن ارتفاع الكلفة ، واهتزاز الأسواق، وتصاعد أسعار الطاقة، وتعاظم الانقسام السياسي ، كلها عوامل يمكن أن تُفاقم الضغوط الداخلية على واشنطن. ومع استمرار هذه الضغوط ، قد تنشأ – وفق هذا الطرح – بيئة تدفع الولايات المتحدة إلى الانكفاء نحو الداخل وتقليص حضورها الخارجي ، ليس بفعل هزيمة عسكرية مباشرة ، بل نتيجة إنهاك داخلي يجعل استمرار الدور الخارجي عبئاً يصعب تحمله.

عند هذه النقطة ، يُفترض أن المشهد الإقليمي يدخل مرحلة جديدة: تراجع أميركي نسبي يخلق فراغاً ، وإسرائيل تسعى إلى ملء هذا الفراغ عبر تقديم نفسها قوة إقليمية قادرة على الإمساك بالمشهد، بينما تخرج إيران من الحرب بصورة الطرف الذي صمد وفرض نفسه لاعباً لا يمكن تجاهله في أي ترتيب جديد.

وهكذا تتحول الحرب ، في هذا التحليل ، من صراع عسكري تقليدي إلى أداة لإعادة تشكيل الخريطة الاستراتيجية في الشرق الأوسط، حيث لا يكون الهدف النهائي هو الحسم السريع ، بل تغيير قواعد اللعبة وإعادة توزيع الأدوار بين القوى الفاعلة في الإقليم.

بهذا الفهم ، تبدو الحرب وكأنها أداة لإعادة صياغة المشهد الإقليمي أكثر من كونها صراعاً تقليدياً يسعى إلى حسم سريع. فمع تراكم الكلفة وتعقد المسارات ، تتغير مواقع اللاعبين وتتبدل أدوارهم، ويُعاد تعريف النفوذ والهيمنة في المنطقة. وفي نهاية المطاف ، قد لا يكون السؤال الأهم من انتصر عسكرياً ، بل من نجح في استثمار مسار الحرب لتثبيت موقعه في الخريطة الجديدة التي تتشكل ببطء تحت ضغط الاستنزاف والتحولات المتلاحقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى