حرب تُدار في الظلام : من يملك زر الإطفاء يملك الميدان

✍️ يوحنا عزمي
خلال دقائق قليلة تلاحقت ثلاث إشارات ميدانية شديدة الدلالة ، لا تبدو منفصلة عن بعضها بقدر ما تكشف عن مشهد يتشكل بسرعة على مسرح واحد.
الإعلان عن إرسال واشنطن طائرتين من طراز EA‑37B Compass Call لم يكن خبراً تقنياً عابراً ، بل رسالة عملياتية صريحة ؛ فهذه المنصة تُعد أحدث ما أنتجته القدرات الأمريكية في الحرب الإلكترونية، وأول نشر لها في سياق عملياتي فعلي يحمل معنى أن البيئة القتالية المقبلة يُراد لها أن تُدار من خلال السيطرة على الطيف الكهرومغناطيسي قبل أي احتكاك بري واسع. بالتوازي ، جاء تصريح وزير الدفاع في المملكة المتحدة عن نشر أنظمة دفاع جوي وصواريخ في السعودية ، وتمديد عمل طائرات “تايفون” في قطر ، وإرسال فرق إضافية إلى الكويت والبحرين ، ليعكس أن التحضير لا يقتصر على هجوم محتمل، بل يشمل بناء مظلة حماية كثيفة للقواعد والمصالح الغربية المنتشرة في الخليج ، وكأن الإقليم كله يُعاد ترتيبه ليعمل كمنصة عمليات محصّنة.
في المقابل ، أعلنت طهران استهداف مراكز اتصالات وصناعة في حيفا تخدم منظومة الجيش الإسرائيلي، في خطوة توحي بأن الرد لا يذهب مباشرة إلى الاشتباك التقليدي ، بل إلى ضرب “العصب” التكنولوجي والاقتصادي الذي تستند إليه القدرة العسكرية.
هذا التوازي بين إدخال أداة تعمية إلكترونية متقدمة إلى المسرح ، وبناء جدار دفاعي إقليمي ، وضرب بنية تحتية اتصالية في العمق، يكشف أن الصراع يتحرك على مستوى أعمق من تبادل النيران : مستوى تعطيل الإدراك ، وقطع الترابط ، وإرباك القرار.
وظيفة طائرات الحرب الإلكترونية من هذا الطراز لا تتمثل في الهجوم المباشر ، بل في إطفاء “الضوء” الذي ترى به الجيوش.
حين تُشغل ، تتعرض الرادارات للتشويش، وتضطرب شبكات الاتصال بين الوحدات ، وتفقد أنظمة الملاحة دقتها ، وتتعثر مراكز معالجة البيانات في قراءة المشهد.
القيمة الحقيقية هنا ليست في تدمير هدف ، بل في جعل الخصم عاجزاً عن رؤية الهدف من الأساس. لذلك يُفهم وصول هذه المنصات باعتباره تمهيداً بيئياً لأي تحرك بري واسع، حيث يصبح التقدم على الأرض محمياً بغطاء من الإرباك الشامل لقدرات الخصم على الرصد والتنسيق.
أما التحركات البريطانية حول الخليج فتوحي بدور تكميلي واضح: حماية العمق اللوجستي والقاعدي الذي سيغذي أي عمليات لاحقة، وضمان أن تبقى خطوط الإمداد والعمل محصنة ضد الصواريخ والطائرات المسيرة. هكذا يتحول الخليج إلى مساحة دفاع متقدمة، لا هدفها حماية الدول بقدر ما هدفها حماية البنية العملياتية الغربية الموجودة فيها. إنها هندسة مسرح عمليات كامل ، يبدأ بتأمين القواعد ، ويمر بتعطيل قدرات الخصم الإدراكية ، وينتهي بتهيئة الأرض لتحركات ميدانية محتملة.
الرد الإيراني ، باستهداف بنية اتصالات وصناعة تخدم الجيش الإسرائيلي، يحمل منطقاً مختلفاً : إذا كان الخصم يسعى لإطفاء عينيك في الميدان، فاضرب أنت “عقله” الذي يُنتج ويُشغل ويُدير. إنها محاولة لإيصال رسالة مفادها أن الحرب ليست فقط على خطوط التماس ، بل على الشبكات التي تجعل هذه الخطوط قادرة على العمل. ضرب هذه البنية لا يوقف دبابة أو طائرة فوراً ، لكنه يراكم أثراً ينعكس على القدرة الكلية بمرور الوقت.
وسط هذا المشهد ، يبرز سؤال جوهري : ما الذي تعنيه كل هذه الحشود التقنية والعسكرية إذا كان الأداء على الأرض لا يعكس تفوقاً حاسماً؟ حين تتراكم أحدث المنصات ، وأكثف المظلات الدفاعية ، وأوسع شبكات الدعم ، ثم يبدو الحسم بطيئاً وملتبساً، فإن ذلك يشير إلى أن طبيعة الحرب نفسها تغيّرت. لم تعد المسألة سباقاً في عدد القطع أو حداثتها ، بل في القدرة على إدارة التعقيد، والتكيف مع بيئة تتعرض فيها الحواس العسكرية للتعطيل المتبادل.
الساعات المقبلة ستكون كاشفة لما إذا كانت أدوات “التعتيم” قادرة فعلاً على تغيير ميزان الفعل على الأرض ، أم أنها ستنضم إلى قائمة طويلة من التقنيات الباهظة التي لم تمنح أصحابها التفوق المتوقع عندما وُضعت في اختبار الواقع. في النهاية ، قيمة أي سلاح لا تُقاس بما يُكتب عنه ، بل بما ينجح في فرضه حين تتقاطع الإرادات فوق الميدان.



