ابداعات

بكيت لأجلها

 

وائل الهاشمي

 

يقولون إن الملوك لا يبكون

لكنهم لم يروا رمسيس الثاني حين غبت عنه. 

لم يسمعوا صمت القصور وهو ينهار، ولا رأوا كيف يمكن لعرش أن يبدو فارغًا، رغم اكتمال مجده.

يقولون إن الملوك لا ينكسرون، لكنهم لم يعرفوا ماذا يعني أن تؤخذ من قلب ملك روحه، لا زوجته.

 

كنت أنا نفرتاري أكثر من ملكة،

كنت ذلك الجزء الخفي من القوة،

الذي لا يرى لكنه إن غاب، سقط كل شيء.

فمن أكون لأجعل ملكًا يخلدني أكثر مما خلد نفسه؟

من التي لم يجرؤ الزمن على محوها، فكتبها على جدرانه اعترافًا بالهزيمة؟

هذه ليست حكاية ملكة

بل حكاية قلب، أجبر التاريخ أن يبكي.

 

لم أولد في سطر واضح من التاريخ، بل جئت من غموض يشبه البدايات التي لا تحتاج تفسيرًا.

كنت طفلة على ضفاف النيل،

أتعلم من الماء هدوءه، ومن السماء اتساعها.

لم أكن أعلم أن عيني ستصيران يومًا وطنًا لملك، ولا أن اسمي سيقال بعد آلاف السنين وكأنه لم يغب.

 

كبرت، وكان في داخلي شيء يخبرني أنني لست عابرة، وأن الطريق الذي أسير فيه لا يشبه طرق الآخرين.

تعلمت القراءة، فصار للكلمات معنى أعمق، وتعلمت الصمت؛ فصار لي حضورًا لا يقال.

لا أحد يعرف على وجه اليقين من أين جئت، لكن الجميع اتفق على شيءٍ واحد:

أني لم أتي لأكون عابرة.

كأن القدر كان يدخرني لعرش لا يقبل إلا الاستثناء.

 

لم أكن الأجمل فقط؛ بل كنت تلك التي إذا صمتت، أصغى المكان،

وإذا ابتسمت، شعر الزمن أنه تأخر كثيرًا في الوصول إليها.

 

وحين رأيته

 لم يكن مجرد ملك، كان شيئًا يشبه القوة حين تبحث عن قلب تستقر فيه.

نظر إلي وكأن العالم من حولنا تراجع خطوة، ليترك لنا المساحة الكافية لنبدأ.

لم يسألني من أكون، وكأن عيني أجابتا عنه.

ولم أسأله من يكون، لأن حضوره كان كافيًا ليقول كل شيء.

 

ومنذ تلك اللحظة لم أعد وحدي، ولم يعد هو كما كان.

صرت زوجته، نعم. 

لكنني كنت أيضًا صوته حين يصمت،

وطمأنينته حين يضطرب. 

لم يكن حبًا عاديًا؛ بل كان ذلك النوع الذي يجعل الزمن يقف احترامًا.

 

أما أنا. 

 فأنا رمسيس الثاني ملك قاد الجيوش، وبنى المعابد، وكتب اسمه في كل مكان لكنني، أمامها،

كنت فقط رجلًا يحب.

لم تكن كغيرها، كانت حين تدخل، يتغير الهواء، وحين تبتسم، أشعر أنني انتصرت دون حرب.

لم أجعلها خلفي كما يفعل الملوك،

بل وضعتها بجواري لأنها كانت تساوي العرش.

 

في أبو سمبل،

بنيت لها ما لم يبن لامرأة من قبل،

وجعلت اسمها يقف بجوار اسمي لا تحته.

كتبت لها:

( من أجلها تشرق الشمس ) 

ولم تكن مجاملة. 

بل كانت الحقيقة الوحيدة التي لم أحتج أن أخفيها.

 

لم تكن نفرتاري امرأة عادية في قصر يضج بالسلطة، بل كانت استثناءًا يشبه المعجزة. اسمها نفسه يعني “أجمل الجميلات”.

لكنه لم يكن جمال الملامح وحده ما منحها هذا اللقب، بل جمال الحضور، وعمق التأثير، وقوة الشخصية التي جعلت منها شريكة حقيقية في الحكم، لا ظلًا باهتًا خلف العرش، وحين فكرت في الغياب، لم أخف على نفسي؛ بل خفت عليها من أن تنسى.

 

فبنيت لها في وادي الملكات

مقبرة ليست للموت، بل للخلود.

جعلت الجدران تتحدث عنها، والألوان تنبض باسمها، حتى إذا رحلت تبقى.

ثم رحلت.

 

ولأول مرة، لم تنفعني القوة، ولا المجد، ولا العرش.

كان الفراق أبطأ من الموت، وأقسى من الخلود.

غابت نفرتاري، فشعرت أن العالم اتسع أكثر مما يجب، وأصبح فارغًا أكثر مما يحتمل.

 

كانت قصيدة حية كتبها الزمن في حضرة الخلود، وفي وادي الملكات، لم تدفن كملكة، بل كحلم لم يكتمل.

جدران مقبرتها ليست رسومات، بل بقايا قلب حاول أن يتماسك؛ فانهار في الألوان.

جدران مقبرتها لا تحكي عن موت، بل عن امرأة رفضت أن تختصر في النهاية. 

 

وقد يبقى اسمي في كتب التاريخ، لكن إن سألتموني عما سيبقى مني حقًا، سأقول: هي.

نفرتاري لم تمت لأنني لم أستطع أن أتركها ترحل، فكتبتها علي الحجر، وفي قلبي، وفي الزمن.

نفرتاري لم تكن مجرد امرأة أحبها، كانت وطن حين ضاقت بي الأرض، وصوتي حين صمت العالم، ونجاتي الوحيدة من صخب السلطة.

رحلت لكنها تركت خلفها شيئًا لا يحتمل: الفراغ.

 

ربما لهذا خلدت ليس لأنها كانت الأجمل، بل لأنها حين غابت ؛ أصبح كل شيء بعدها ناقصًا، وهكذا انتهت الحكاية أو ربما بدأت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى