عقدة المكواة!

بقلم – جلال الدين محمد
أربعة أيام، إذن لن أحتاج سوى إلى كنزة واحدة وبنطال للنوم، ماذا لو تحسن الطقس قليلًا، أليس من الأفضل أن أصطحب بعض الملابس الصيفية لالتقاط الصور على الشاطيء؟ ولكن في المساء تشتد البرودة، من الحكمة إذن أن أحمل معي الملابس الشتوية.
كل هذه الأفكار الطبيعية التي تدور في عقل أي إنسان قبل السفر، تصطدم بعنف مع حقيقة أني أكره حمل الحقائب، لا أستطيع أن أصيغ لك جملة تصف لك حجم تلك الكراهية! تخيل معي عقل شخص يعشق السفر، ويكره حمل حقائبه، ربما لو امتلكت ما يكفي من المال يومًا سأشتري ما أحتاجه عند وصولي لوجهتي، وأتخلى عنه تمامًا بعد نهاية الرحلة، فقط لأظل حرًا في حركتي.
ما سبق لا يقارن بمشكلة إضافية، صديقكم لا يجيد كي الملابس، فما العمل إذن في القميص المخصص للبدلة الرسمية؟! هنا صادفني على أحد مواقع التواصل الاجتماعي صورة لشخص أحرق السجادة بينما يحاول كي قميصه، ويسأل عن حل قبل أن تصل والدته. ذكرني الأمر بذكرى قديمة، سوف نحتاج هنا أن نعود في الزمن لواحد وعشرين عامًا مضت لنعرفها.
طفل صغير في السابعة، يعيش مع والدته وشقيقه الذي أتم للتو عامه الثاني، ووالده الذي كان في رحلة عمل. سمع الصبي ممن حوله عبارة “أنت الكبير الآن” بشكل مستمر، تلك العبارة التي هي أبغض ما سمع في حياته – لكنه بالتأكيد ليس موضوعنا اليوم – أراد صغيرنا وقتها أن يعيشها ويشعر معناها.
فكر وقال لنفسه، أنا من الكبار لماذا لا أتصرف مثلهم؟! ماذا يفعلون يقومون بكي ملابسهم بأنفسهم؟ أنا قادر تمامًا على فعل ذلك، سأنتظر حتى تنام أمي، وأحضر لها مفاجأة – كانت كارثة – سأقوم بكي ملابس المدرسة بنفسي.
وقد كان، تحرك الصغير إلى الغرفة، أحضر قميصه البني ووضعه على السجادة مباشرة على الأرض، وقام بتوصيل الكهرباء، وانطلق في طريق لا عودة منه ولا نفع للندم. بدا الأمر جيدًا في البداية، اختفت الكسور في ظهر القميص، فقط يجب ضبط الأكمام والمتابعة.
وضع الصغير المكواة جانبًا على السجادة، وضبط الأكمام ليهم بالمتابعة، ولكن…
وجد الصغير المكواة مطبوعة تمامًا على السجادة وكأنها جرح غائر يحتاج لجراحة لكي تتم معالجته. شعر بالفزع فوضع المكواة جانبًا ومرة أخرى بوجهها وليس على المكان المخصص لترك المكواة، لينتبه بالمصادفة بعد بضعة دقائق أن المكواة تركت أثرها على المنشفة أيضًا.
يمكن التماس العذر فيما يلي بأن الخوف يشل التفكير، فكل ما دار في عقل الصبي وقتها أن والدته سوف تطحن عظامه عندما تستيقظ، هذا قد يبرر ما سأرويه فيما يلي.
لنبدأ بالمنشفة، المنطق يقول أن ترميها من الشرفة إلى الشارع فيختفي أثرها وقد تنساها والدتك، أو لا تلاحظ اختفائها. لم يحدث هذا، بل أخذ الصبي المنشفة إلى الحوض وبدأ بغسلها بعنف، وحين فشل في إخفاء أثر الجريمة، ألقاها في الغسالة واعتبر أن المشكلة قد حُلت.
أما السجادة المسكينة، فقد بدأ بحكها بالمسطرة المدرسية، مرات ومرات ومرات. وبعد أن فشلت خطته أيضًا، أحضر قميص ممزق، ووضعه على مكان الحرق، معتبرًا أن والدته لن تراها، ثم تسلل إلى السرير ونام وكأن شيئًا لم يكن.
أعتقد أن الصبي استحق الضرب الذي تعرض له؛ ليس للخطأ الوارد الحدوث من طفل، بل للغباء الشديد الذي عالج به المشكلة. اليوم صار رجلًا بالغًا مكتمل الأهلية، ولا يعرف حتى كيف يمسك المكواة لكي ملابسه.
وهنا تظهر الأمنية التي تراوده بشدة، لماذا لا يطلقون نموذجًا للذكاء الاصطناعي يمتلك القدرة على كي الملابس؟ حقًا هذه هي المهمة الوحيدة التي يحتاجها من هذه التقنية.



