ابداعات

جفّ بنبوع السماء

يمنى ربيع

الفصل الأول:

 

أكتب إليكم رسالتي الأخيرة، بقلبٍ مُنفطر، وروحٌ تائهة. تدفعني خلجات عقلي للتفكير أكثر وعدم الإقدام على هذه الخطوة المتهورة. ولكني ألقيت بهذا العقل بعيدًا بعد كل ما حدث، وأعطيت زمام الأمور لقلبي المفطور، ولن أتراجع الآن، فاستمع إليّ باهتمام فما سأقوله ليس ببهتان أو افتراء، بل هو حقٌ مُبين آن له أن يُعرف، وإليكَ ما حدث، وأقصة إليكم أنا «ميرا حوريب»

 

الثالث عشر من آب عام 1826م، تحديدًا قبل قرنٍ كامل من اليوم، كنت ألهو مع اقراني في الباحة الواسعة أمام المنزل، لا يشغلني سوى الفوز في هذه المباراة والحصول على قطعة كبيرة من كعكة الشوكولا التي وعدني بها أبي هذا الصباح.

تتعجبون من الأمر، صحيح! فمن ذا الذي يُهدي أبناءه كعكة شوكولا إذا فاز في مبارة كرة قدم بالحي!

 

هذا أبي، يفعلها منذ ما يقرب من ثلاث سنوات، بعدما قال الطبيب أنتي أُعاني من مرض يجعل حركتي ثقيلة ولا علاج له في ذاك الوقت أو بالأحرى والذي اكتشفته الآن أن هذا المرض أصاب مفاصلي فقط، يجعلها تتيبس بغته ولا أستطيع تحريكها أبدًا، رفض أبي تصديق أن ابنته الوحيدة لن تستطيع الحركة بسوية كما باقي الأطفال، ولم يُصدق كلام الطبيب وقال لأمي بمجرد أن خرجنا من عنده _وقد كان الطبيب العاشر للهذا الشهر_ «لا شيء مستحيل، ستلعب كما الصبية، وسيرى الطبيب أنه مخطئ في قوله، فلا شيء بدون علاج»

 

ومن حينها أصبح أبي يحثني على اللعب أكثر، والحركة أكثر، وبكل فعلٍ أقوم به كان يُغريني قبلها بأشياء كثيرة أحبها.

والحقيقة كان يعطينيها كلما فعلت أمرًا بشكلٍ جيد..

 

ولكن هذا لم يستمر طويلا..

 

───

 

الحرب..

 

كلمة ثقيلة تؤلم النفس، وتجعل القلب يشرد في ذكرياتٍ بعيدة لم يحفظها سوى قلبٍ مُحب.

أتانا الحرب من حيث لا نحتسب، طمعت إحدى الممالك فينا وأغارت علينا خلسة في معركةٍ دامية استمرت بضعة أيام بدون انقطاع. توالت فيها جنازات الجيران تمر من أمامنا، واحدة تلو الأخرى.

توقف الأطفال عن الخروج وخيّم الصمت على القرية التي كان يُقال عنها أنها السلوى لمن لا أحد له، وأصبحت بين ليلةٍ وضحاها كالجثة الهامدة.

لا أذكر من هذه الفترة سوى القليل، فمن حين بدأ الحرب منعني أبي من الخروج غير أنه استمر في الهدايا والمكافئات على ما افعله داخل المنزل.

ولم يُعكر صفو حياتنا سوى جنازة واحدة.

جنازة خرجت من منزلنا نحن..

 

صحيح، لم أخبركم أن مرضي هذا كان نادرًا جدًا فقد كُنت الوحيدة المصابة به داخل مملكتنا، ولم نعلم بأمره إلا حينما تيبس مفصل يدي اليسرى ولم أعد استكيع تحريكها، وبقيت كما هي عليه الآن ملتوية تجاة وجهي كما كُنت أحب دائمًا أن افعل وأنا نائمة.

 

نعود الآن لحديثي إليك، هل لازلت تريد الاستماع؟ 

 

لا تتعجب كثرة حديثي، فمنذ فترة طويلة لم اتحدث لأحد. ولا تتعجب من قدرتي على الكتابة، فقد عفى الله عن يدي اليمنى ولم يُصبها ما ألمّ باختها، وأصبحت الوحيدة من أطرافي التي لم يُصبها العطب. 

 

 

أعود إليك من جديد لوفاة أبي، فإني لا أمّلُ أبدًا من الحديث عنه، أبي أبيض الوجه وأشقر الرأس تشعر أنه قد أتانا من عصورٍ غابرة لا يشبه أيّ من أفراد المملكة ذوي البشرة الحنطية. 

لم اتوقف كثيرًا عند هذه النقطة، فهذا أبي، أحبه، كيفما كان أو سيكون. 

 

لا زلت أذكر الوسادة البنية التي جمعتني به في نومٍ واحد وهو يردد لي قصة خيالية. 

أم عليّ أن انسى شجرة الليمون التي زرعها في الحديقة خصيصًا لأجلي عندما أخبرته بحبي لرائحتها. 

أم تراني أنسى قطعة الملابس التي أتاني بها من أقصى بقاع المملكة وهو يقول لي بابتسامة «الأميرة خاصتنا لا ترتدي سوى الغالي والنفيس، ولو كان من الممالك المجاورة» 

 

لا انسى، ولن تنسى أنت أيضًا. 

 

فالجنازة التي اخبرتك عنها سابقًا كانت.. لوالدي. 

 

خرج من المنزل صباحًا وعاد إليه محمولًا فوق الأكتاف، كان صراخ أمي عاليًا، وبكاءي أنا أعلى غير أنني لم أكن افهم ما هو الموت. 

 

علمت حينها أنه شبح، شبح خفي يتردد على البيوت ويقتنص منها من نحب، ويذهب به لمكانٍ أفضل بعيد عن كل شيء سيء في هذه الدنيا. 

 

فلم أعلم هل أكره الموت الذي سلبني أبي، أم أحب ذاك الشبح الذي جعل أبي يعيش حياة راغدة، مُبهجة في عالمٍ لا نراه!

 

 

كانت الخيانة، هي ما تردده أمي كثيرًا أثناء البكاء. 

 

خيانة؟ 

هل تعني هذه الكلمة أن الثقة لم تكن لمن يستحق؟ 

 

من هو؟ ولماذا ترددها أمي أثناء البكاء؟ 

 

ولماذا رفضت استقبال جارتنا «سيرا» زوجة العم «رائف» الصديق المقرب لوالدي. 

 

 

ولكني أتسائل الآن في هذه اللحظة، هل بالفعل كانت خيانة من العم رائف أم أنه سوء تأويل؟ 

 

وهذا ما كشفته لي الأيام بعد الجنازة. 

 

 

يتبع..

 

الفصل الثاني

 

 

مات أبي بغدرٍ من أحد صَحبِه وشى به لدى العدو، فما لم اخبرك به بعد أن أبي كان في يومٍ من الأيام الوزير المخلص للمملكة الأخرى التي جارت علينا، صاحب الكلمة الحكيمة والرأي السديد.

 

علمت من أمي أنه ترك تلك المملكة وأتى إلى المملكة التي نحن فيها الآن ليُعرضني على أفضل الأطباء بعدما فشل من هم بالمملكة الأولى.

 

هذه هي حقيقة الأمر، والتي حاك عليها العم «رائف» دوائر الخسة والخيانة، وطمعًا في مكانة أبي لدى المملكة أحضر أدلة كاذبة، وشهود كاذبين يقولون للملك أن أبي كان جاسوسًا للمملكة المعادية. ولعل الخسائر التي لحِقت بالمملكة بعد رحيل أبي عنهت كانت أقوى برهان على صحة ما يقولون من افتراء.

 

قويت شياطين الملك وبلغت أوجها، وأمر بشن الحرب على المملكة الأخرى وقتل أبي، بدون أن يتأكد من صحة ما يقولون على وزيره المخلص منذ عقود. 

 

وهكذا شُنت حرب غادرة، لم يعلم بموعد وقوعها أحد حتى العم «رائف» 

 

يساورك الآن العجب، فكيف علمتُ أنا كل هذا؟ 

 

علمت هذا بعد شهر من موت أبي، أتى العم «رائف» إلى منزلنا تسنده زوجته وتساعده على المسير، وقد بُترت ساقه اثناء الحرب، وهزلت قواه، واصبح على شفا خطوة من الموت. 

 

أتانا باكيًا نادمًا، يقسم بأشد الأقسام أنه لم يرد موت أبي، كان ينوي تحذيره قبل الحرب، وأن يهرب أبي بعيدًا بدون أن يموت. 

يقسم أنه لم يرد سوى أن يكون في مكانه أبي. 

 

يريد منا أن نسامحه، فلعل هذا يُخفف عليه من العذاب وأن يموت خالي من أي تأنيبٍ للضمير. 

 

هل رأيت هذا من قبل؟ 

 

أتى يُخبرنا أنه تسبب بشكل مباشر في قتل أبي، ويرد منا أن نسامحه فقد ليتكمن من النوم ليلًا بدون تأنيب ضمير؟ 

 

«ويحك من رجلٍ خسيسٍ دنيئ» 

 

هكذا صرخت به أمي وهي تليقهما الاثنين خارج البيت. 

 

 

حينها.. اعتزلت الجميع، توقف الكلام داخل حلقي ولم يُخرجه شيء فصدمتي كانت كبيرة. واصلت أمي إعداد المكافئات كما كان يفعل أبي ولكني لم استجب لها، ثلاثة أشهر كاملة لا يدخل جوفي سوى القليل، هزُلت، وضعف بنياني، وثقلت حركتي أكثر من ذي قبل وتدمر كل ما كان يحاول أبي صنعه فيّ.

 

لم تتحمل أمي أكثر، وأخذتني وتركنا البلدة.

 

وللعجب.. فالمطر الذي لا يتوقف داخل مملكتنا، شاركنا حزن فقد أبي، وأبێ أن يسقط على من غدر.

وتوقف المطر عن الهطول.

 

 

 

سنوات كثيرة مرت لم أعي منها شيئًا، توقف بي الزمن منذ تلك اللحظة التي رأيت فيها جثمان أبي فوق الأكتاف. كانت أمي تأمل أن أعود لطبيعتي إذا هطل المطر، فما زلت أذكر أن أفضل مكافئة صنعها لي أبي يومًا كانت نزهة تحت الأمطار الهادرة. تمنيتُ أيضًا كما أمي أن يهطل المطر، فلعلي أراه ويأتيني..

 

لا أخفي عليك، فأمي بالفعل بمكانة غالية لديّ، أخشى أن تحزن بعدما تعلم ما لاحظته في هذا البيت الجديد. 

 

هل تعلم.. 

انتظرنا هبوط المطر لنستعيد ذكرى والدي، لأكتشف أن المنزل الذي أقمنا به كان في البلدة الوحيدة داخل المملكة لا يصيبها غيث مطر. 

 

عندما انتقلنا إلى هنا، لم تترك أمي أي شيء كان يخصنا في البيت القديم، وخصوصًا مكتبة أبي الكبيرة. 

 

تعجبتُ أحيانًا من أن المطر لا يهطل منذ مدة طويلة، واستهوتني القراءة داخل المكتبة ليقع بين يدي صدفة كتاب جعرافيا مملكتنا، تفحصته بتمعن لأكتشف ما اخبرتك به، لا يهطل هنا مطر. 

 

 

اليوم..

بعد عدة سنوات متلاحقة لم يهطل بها مطر، زهد قلبي فيه، وأصبح جوار أمي هو الغوث بالنسبة لي، لا أدع الحزن ينهش قلبها حزنًا عليّ، فدائمًا ما أحدثها ضاحكة عن بلد غريب سرق قطعة من السماء، وأخذ المطر كله لهولم يدع للباقين سوى الفُتات، أو الاشيء. 

 

تساورني وتضحك وتقول بتمنى«اللهم لا تعجلنا سوى البلدة التي سرقت المطر، لا نريد جفافًا أبدًا» 

 

أكتب إليك وأنا أتمنى أن يعود لي الماضي، فلا أدع أبي يخرج ويعود إليّ ميتًا، ولا أدع الحزن يُثقل قلب أبي ويضعف جسدها به. 

 

أما كفاني حزنٌ واحد؟

 

 

طال عمري وما عُدت أعرف عدده وبدون الشعيرات البيضاء التي غزت رأسي ما كنت لأعلم لي من عُمر، وأنا وأمي داخل المنزل منذ سنوات، انتظر كما المشتاق هطول المطر. 

 

أكتب إليك رسالتي، بقلبٍ مملوء بالأمل. وأترك إليك وصيتي وقد شارف مني الأمنيات على الرحيل، إذا قرأت هذه الكلمات يومًا ما فلا تسكن هذا المنزل، احتفظ به،وأخبر العالم قصتنا، قصتي وقصة أبي وغدر «رائف» الخبيث.

 

 

 

أترك اليك الرسالة، وأنا أجلس في شرفتي في آخر حدود هذه القرية، أرى المطر غزيرًا في البقاع المجاورة، أنظر لنبتتي اليابسة التي ترنو إليّ بعطف وأنا أسكب عليها كوبًا من الماء حملته بيدي. فإن عثرت عليها في يومٍ من الأيام، سأكون قد مِت، حينها يكون هذا المنزل لكَ لتدع لوالديّ بالرحمة والمغفرة.

 

صحيح.. 

نسيت أن أخبرك بشيء. 

لعلك تتسائل الآن، كيف أكتب رسالتي فوق الورق أو كيف أتت إليّ النباتات التي أزرعها في حديقة المنزل، أو من يعتني بي وقد كبر عمر أمي وما عادت تقوى الحركة. 

 

هذا «شامل» ابن العم «رائف» يفعل كل هذا. 

ولكن هذه قصة أخرى، أكتبها إليك في وقتٍ لاحق، فقد ألمتني يدي، و…. 

لا أخفيك، أصبحت جائعة كثيرًا، «شامل» الآن يطهو لنا وجبة تفوح رائحتها الشهية ولا أستطيع الانتظار. 

 

وداعًا 

 

توقيع:

ميرا حوريب والتي أصبح لقبها «فتاة المطر»

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى