ابداعات

اللطمة الكبرىٰ

 

 

إيمان عتمان 

 

طفلٌ صغير عاد من مدرسته مُهرولًا، سعيدًا، يبحث هنا وهناك عن والده لـ يُخبره أنه حصل علىٰ المركز الأول في امتحانه النهائي. 

 

وما إن وجد والده أمامه قفز من السعادة وفتح ذراعيه لـ يحتضنه ثم يخبره؛ فـ باغته والده بِصفعة مدوية أسقطته أرضًا وقال له لماذا تركض هكذا بـ إزعاج ولم تغلق باب المنزل خلفك! أأنتَ أحمق؟ أم أبله! أهكذا قمت بـ تربيتك؟ 

 

واصل والده قذفه بـ وصلة من التوبيخ والإهانة ونظرات الاستحقار والاشمئزاز؛ كأن طفله ارتكب جرم عظيم. 

 

لكن الطفل لم يسمع أي كلمة من والده، أخذ الصدمة مع الصفعة، فقد قلبه هناك تمامًا أمام عينيه، فقد أمانه وسعادته… فقد أيضًا شعور المحبة تجاه والده في هذه اللحظة وأصبح ينظر له بـ ارتياب وخوف، يقول داخله: 

ماذا فعلت أنا! مَنْ أنت؟ وأين أنا!! 

 

فـ يقوم الطفل حاملًا بين يديه قلبه المنكسر وخيبته، يجر معه أحزانه ويذهب إلىٰ غرفته؛ حتىٰ يبكي بصمت ولا يسبب إزعاج آخر؛ فـ يُعاقب عليه من جديد.

 

جلس علىٰ سريره، يضم رُكبتيه إلىٰ صدره، تنهمر دموع عينيه وهو يتذكر كم أنَّ والده دائم التعنيف له، وكم من مرةٍ تلقىٰ صفعات مؤلمة لأسبابٍ بسيطة، تافهة. 

 

وأنَّ والده الذي كان يحسبه الظهر القوي والسند، هو نفسه الخيبة والألم اللذان يأكلان قلبه. 

 

ثم ينام محتضنًا نفسه، باكيًا، منكسرًا، يشعر بـ وخزات داخل قلبه.

 

هذه هي اللطمة الكبرىٰ في حياة طفل صغير فقد أمانه في أول لحظات نجاحه، هذه هي الصفعة التي لن ينساها أبدا مهما مرت السنوات. 

 

شعور الإنكسار من موضع أمانك… شعور قاتل، يخلق داخلك غضب مميت، تجاه نفسك والعالم من حولك، يزرع داخلك أشواك تؤذي بها كل مَنْ يقترب منك فيما بعد ذلك، يُحولك لـ إنسان تعيس، دائم البكاء والوحدة… ودائم الإنكسار. 

 

ويجعلك تسأل نفسك دائمًا: 

إلىٰ أين أذهب حتىٰ أجد الأمان والاحتضان!

 

هذا الطفل الذي أتحدث عنه هو أنا والآن أحتضن نفسي قائلًا: 

لا تبكي… ستكون بِخير ولن تؤذي مَن حولك مهما حدث، أنتَ جميل وناجح، أنتَ فائق الذكاء والمحبة وأنا فخور بك. 

أُحبك.

 

إلىٰ كل أب…

لا تُخطئ في احتضان أبناءك ولا تُقصر في محبتهم، اجعل من دائك دواء لهم؛ فـ الحياة قاسية بما تكفي؛ فـ لا يُصيبهم منك أيضًا شعور قاسي.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى