(وما نرسل بالآيات إلا تخويفًا)

سامح بسيوني
سكونٌ تامٌ تحت أقدامنا،
نعم هي صامتةٌ تُطيعنا بأمرٍ من ربها، ولكن في حقيقة الأمر لها شريانٌ فتتنفس، ومراتٍ على غير عادتها تغضب لغضبِ ربها.
إنها الأرض التي أيقظتنا من غفلتنا، ومن قسوة قلوبنا، ومن تجرؤنا على الله- عز وجل-
(وَمَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا)
فعندما تحركت بشدة، جاءت الصرخات، وفزع الناس من نومهم. وعرفنا حينها مدى ضعفنا أمام الله:
(يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ)
لقد تزلزلت الأرض بعد صمتها، وصبرها على ذنوبنا، فأخذت الإذن من ربها، فتحركت حركةً شديدة؛ فخرجنا من بيوتنا كالجراد المنتشر، في موقفٍ يذكرنا بالآخرة.
(يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ)
يا لها من لحظاتٍ! اقشعرت منها القلوب، وزرقت منها العيون خشيةً وإجلالًا لرب العالمين. وتساءل الإنسان:
(يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا)
ما بين عشيةٍ وضحاها، وبعد سكونٍ تام، والكل منشغل في ليلته. ما بين نائم، وآخر منعكف على هاتفه لا ندري أيستخدمه في طاعةٍ أم في معصية الله؟! وآخرون عاكفون على مصاحفهم يشمرون سواعدهم للقاء ربهم في قيام الليل وسكونه،
فيأتي أمر الله فتهتز الأرض هزةً عنيفة،
فلا تسأل عن فقيرٍ أو غني. لا تبحث عن قصرٍ أو كوخ. فيهتز الجميع.
تنقلب الطاولات، وتسقط الأسقف المزينة بالذهب والفضة، وتسقط المعارج التي عليها يصعدون، والأبراج الشاهقة،
والإنسان المسكين يظن أنه قد امتلك الدنيا وما فيها،
فيأتي العقاب من الله في لحظةٍ واحدة، فتُخطف القلوب، وتنفتح جروحٌ جديدة في قلوبنا:
(أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ _ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ _ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ)
لقد أرسلت لنا الأرض اليوم رسالةً من رب العالمين فيها من النذير:
(وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا)
لقد جاء هذا الزلزال؛ ليذكرنا بحقيقتين:
أولها: أننا ضعفاء. والله عز وجل هو أرحم الراحمين. فبرغم ما وصلنا إليه من جبروت وتكبر وفسادٍ في البلاد، فالله قادرٌ أن يجعل عاليها سافلها في طرفة عين. ولكنه كان رحيماً… أعطانا الفرصة للتوبة والإنابة.
وثانيها: أن الإنسان مهما وصل من تقدمٍ علمي وحضاري، فإنه صغيرٌ أمام علم الله: (`قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدًا)
وأخيراً أيها القارئ.
لا بد أن تسأل نفسك: متى سيحدث الزلزال القادم؟ وهل سنكون من أهل الدنيا وقتها أم من أهل الآخرة؟ حينما يقع!
فلنبادر بالتوبة والإنابة والاستغفار:
(`أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّه)



