السعودية والـF-35.. عندما يتحول السلاح إلى ورقة في صراع المصالح الكبرى

✍️ بقلم : يوحنا عزمي
هناك تفاصيل في المشهد الإقليمي الحالي تستحق أن نتوقف أمامها قليلًا ، لأن ما يبدو للوهلة الأولى مجرد صفقة سلاح جديدة بين الولايات المتحدة والسعودية، قد يكون في الحقيقة جزءًا من إعادة ترتيب أوسع لموازين القوة والتحالفات في الشرق الأوسط.
في 17 سبتمبر 2026، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية موافقتها على بيع محتمل لـ48 مقاتلة F-35 للسعودية بقيمة تصل إلى 24.3 مليار دولار، إلى جانب 49 محركاً ومعدات اتصالات ودعم وتدريب وقطع غيار. لكن من المهم هنا التمييز بين “الموافقة على البيع المحتمل” وبين إتمام الصفقة فعلياً ، فالعملية ما زالت تحتاج إلى المرور بالإجراءات المرتبطة بالكونغرس، كما أن تسليم الطائرات ـ إذا اكتملت الصفقة ـ لن يكون فورياً.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
لأن السؤال ليس فقط: لماذا تريد السعودية الـF-35؟
السؤال الأهم هو : لماذا تريد واشنطن الآن أن تفتح الباب أمام حصول السعودية على واحدة من أكثر منظومات القتال الجوي تقدماً في العالم؟
خصوصاً أن هذه الطائرة ليست مجرد مقاتلة إضافية في ترسانة دولة ما، وإنما منظومة تكنولوجية متقدمة ترتبط بقدرات التخفي والاستشعار والاتصال والحرب الإلكترونية ، ولذلك فإن السماح ببيعها لدولة عربية يحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز قيمة الصفقة المالية نفسها.
والتوقيت هنا شديد الأهمية.
السعودية تواجه منذ سنوات بيئة أمنية إقليمية شديدة التعقيد، ومع عودة التوترات العسكرية في المنطقة وتصاعد التهديدات المرتبطة باليمن وإيران والممرات البحرية وأمن الخليج، أصبحت مسألة الدفاع الجوي والجوي السعودي جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي بأكملها.
واللافت أن الإعلان الأمريكي جاء بعد أيام شهدت فيها المنطقة تطورات عسكرية خطيرة، من بينها إعلان الحوثيين إسقاط مقاتلة سعودية من طراز F-15، بحسب ما أعلنته الجماعة ونقلته وسائل إعلام دولية.
هل يعني ذلك أن إسقاط الطائرة هو الذي دفع واشنطن إلى الموافقة على الـF-35؟
لا توجد لدينا أدلة معلنة تسمح بالجزم بهذه العلاقة المباشرة.
لكن من الناحية السياسية ، من الطبيعي أن يُقرأ الحدثان ضمن سياق واحد: تهديدات أمنية متصاعدة في محيط السعودية، وفي المقابل محاولة أمريكية لتعزيز قدرات حليف إستراتيجي في الخليج.
وهنا تصبح المسألة أكبر من مجرد بيع طائرات.
المشكلة أن الـF-35 ليست طائرة عادية حتى داخل الحسابات الأمريكية.
فالولايات المتحدة تدرك جيدًا أن منح هذه التكنولوجيا لدولة ترتبط في الوقت نفسه بعلاقات متنامية مع الصين يفتح سؤالًا حساساً للغاية:
كيف تضمن واشنطن ألا تصل التكنولوجيا الأمريكية الأكثر حساسية إلى بكين ، بصورة مباشرة أو غير مباشرة؟
وهذا ليس افتراضاً من فراغ.
فالتقارير التي تناولت الصفقة أشارت إلى وجود مخاوف داخل دوائر أمريكية من أن العلاقات العسكرية والتكنولوجية المتنامية بين السعودية والصين يمكن أن تثير مخاطر تتعلق بحماية التكنولوجيا الحساسة المرتبطة بالـF-35.
وهنا نفهم واحدة من أهم مفارقات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
واشنطن تريد أن تقول للرياض:
نحن الحليف الأمني الأساسي لكم.
وفي الوقت نفسه تريد أن تقول لبكين:
لن نسمح لكم بتحويل الشرق الأوسط إلى مساحة نفوذ تكنولوجي وعسكري صيني.
وبالتالي فإن الـF-35 يمكن أن تصبح جزءًا من معركة أكبر بكثير من السعودية نفسها ، معركة تتعلق بمستقبل النفوذ الأمريكي في الخليج ، وبحدود الدور الصيني المتنامي في المنطقة.
ثم تأتي إسرائيل إلى المعادلة.
إسرائيل هي الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تشغل الـF-35 حالياً، ولذلك فإن إدخال دولة عربية إلى دائرة مستخدمي هذه الطائرة يطرح بصورة مباشرة سؤالًا حول مفهوم “التفوق العسكري النوعي” الإسرائيلي.
وهذا تحديداً ما يجعل الصفقة حساسة بالنسبة لإسرائيل.
وقد أشارت تقارير إلى أن مسؤولين إسرائيليين سبق أن أبدوا اعتراضات على بيع الـF-35 للسعودية، في ظل تمسك إسرائيل بالحفاظ على تفوقها العسكري النوعي في المنطقة.
لكن في المقابل ، واشنطن تقول رسمياً إن الصفقة المقترحة لن تغير التوازن العسكري في المنطقة، وإن الهدف منها تعزيز قدرة السعودية على الردع والدفاع عن أراضيها وتحسين قابلية العمل المشترك مع القوات الأمريكية والحلفاء.
وهنا تحديداً تظهر براعة السياسة الدولية.
كل طرف يقرأ الصفقة من زاوية مختلفة.
السعودية تراها من زاوية أمنها القومي.
واشنطن تراها من زاوية تحالفاتها ومصالحها الاقتصادية والاستراتيجية ومنافسة الصين.
إسرائيل تراها من زاوية المحافظة على تفوقها العسكري النوعي.
والصين تنظر إليها بالتأكيد من زاوية أخرى: هل تستطيع واشنطن أن تمنع بكين من توسيع نفوذها العسكري والتكنولوجي داخل الخليج؟
وهنا أصل إلى النقطة التي أراها أهم من الصفقة نفسها.
القضية ليست في الـF-35 وحدها.
القضية في من يملك قرار السلاح الذي تعتمد عليه في حماية أمنك القومي؟
لأن الدولة التي تستورد منظوماتها الاستراتيجية بالكامل من الخارج ، مهما كانت قوية اقتصادياً وسياسياً ، تظل في لحظة ما مرتبطة بإرادة الدولة التي تصنع السلاح.
قد تبيعك الطائرة.
وقد تبيعك الصاروخ.
وقد تمنحك قطع الغيار والتدريب والدعم الفني.
لكنها تستطيع أيضًا أن تضع شروطاً على الاستخدام، أو تؤخر التسليم، أو تتحكم في برامج الصيانة والتحديث، أو تربط بعض مستويات الدعم بحساباتها السياسية والاستراتيجية.
وهذه ليست مسألة تخص السعودية وحدها.
إنها درس تاريخي في العلاقات الدولية.
الدولة لا تستطيع أن تبني استقلال قرارها الاستراتيجي بالكامل إذا كانت عاجزة عن بناء قاعدة علمية وصناعية مستقلة.
وهنا نصل إلى القضية التي يتم تجاهلها كثيراً في النقاش العربي:
لماذا لا نتعامل مع صناعة السلاح باعتبارها نتيجة طبيعية للاستثمار في التعليم والبحث العلمي والهندسة والتكنولوجيا؟
لماذا ننظر إلى الطائرة والصاروخ والغواصة والرادار باعتبارها منتجات عسكرية منفصلة ، ولا ننظر إليها باعتبارها في النهاية مخرجات لمنظومة علمية كاملة؟
الطائرة الحديثة تحتاج إلى فيزياء ورياضيات ومواد متقدمة وبرمجيات وذكاء اصطناعي وإلكترونيات واتصالات وتصنيع دقيق وحوسبة وأنظمة تحكم.
أي أن امتلاك السلاح المتقدم يبدأ قبل المصنع بسنوات طويلة داخل الجامعة والمعمل ومركز البحث العلمي.
ومن هنا تصبح قضية البحث العلمي قضية أمن قومي وليست رفاهية أكاديمية.
وهذا يقودنا إلى تجربة إيران أيضاً.
بعيداً عن تقييم سياساتها أو مواقفها السياسية والعسكرية، هناك حقيقة تستحق الدراسة : إيران استطاعت، رغم العقوبات والقيود المفروضة عليها لعقود ، أن تطور قطاعات محلية في صناعة الصواريخ والطائرات المسيرة وبعض المنظومات العسكرية.
وهذا لا يعني أنها أصبحت مستقلة عسكرياً في كل شيء، ولا يعني أن كل ما تعلنه عن قدراتها يمكن قبوله دون تدقيق.
لكن التجربة نفسها تكشف درساً مهما :
العقوبات تصبح أكثر تأثيراً عندما تكون الدولة عاجزة عن إنتاج البدائل محلياً، بينما تقل بعض آثارها عندما تمتلك الدولة قاعدة صناعية وعلمية تستطيع البناء عليها.
ولهذا أيضاً يصبح العلماء والمهندسون ومراكز الأبحاث جزءًا من القوة الاستراتيجية للدولة.
وهنا نفهم لماذا كان استهداف العلماء في الصراعات الإقليمية ذا دلالة بالغة.
عندما تستهدف دولة ما منشآت البحث والتطوير أو العلماء والمهندسين المرتبطين بالبرامج الاستراتيجية لخصمها، فهي لا تستهدف حاضر ذلك البرنامج فقط، وإنما تحاول التأثير في قدرته على التطور مستقبلًا.
وهذه واحدة من أهم قواعد الصراع الحديث:
الحرب لم تعد فقط بين دبابة ودبابة، أو طائرة وطائرة.
الحرب أصبحت بين منظومتين علميتين وصناعيتين وتقنيتين.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية تبدأ أحياناً داخل الجامعات ومراكز البحث قبل أن تصل إلى ساحات القتال.
وهنا أعتقد أن الدرس العربي الأكثر إلحاحًا ليس: لماذا لم نحصل على الـF-35؟
السؤال الأهم هو:
لماذا لا نمتلك نحن القدرة العلمية والصناعية التي تجعلنا لا نحتاج إلى انتظار موافقة أحد عندما يتعلق الأمر بأمننا القومي؟
ليس المطلوب أن تصنع دولة عربية كل شيء وحدها.
ولا توجد دولة حديثة تفعل ذلك بصورة مطلقة.
لكن الفارق بين دولة تعتمد بالكامل على الخارج ودولة تمتلك قاعدة صناعية وتكنولوجية محلية هو فارق هائل في القدرة على اتخاذ القرار.
يمكنك أن تشتري السلاح من الخارج، لكن إذا كنت لا تملك المعرفة التي تقف وراءه ، فأنت تشتري المنتج فقط.
أما إذا امتلكت المعرفة، فأنت تملك القدرة على التطوير والتصنيع والصيانة والتحديث وصناعة البديل.
وهنا تحديداً تتحول المعرفة من قيمة ثقافية إلى قوة استراتيجية.
ولذلك فإن قضية التعليم والبحث العلمي في العالم العربي يجب ألا تُناقش فقط باعتبارها قضية تنمية اقتصادية.
هي في الحقيقة قضية:
أمن قومي.
استقلال قرار.
قدرة تفاوضية.
ردع.
وسيادة.
لأن العالم الذي ينتج المعرفة يمتلك في النهاية قدرة أكبر على إنتاج القوة.
أما العالم الذي يستهلك التكنولوجيا دون أن ينتج أساسها العلمي، فيظل معرضاً لأن يتحول إلى سوق للسلاح والتكنولوجيا بدل أن يكون شريكًا في صناعتها.
وفي النهاية، قصة الـF-35 السعودية ليست مجرد صفقة قيمتها 24.3 مليار دولار.
هي نافذة صغيرة نرى من خلالها صورة أكبر بكثير:
واشنطن تريد الحفاظ على نفوذها في الخليج، والرياض تريد تعزيز أمنها وقدراتها الدفاعية، وإسرائيل تراقب تأثير الصفقة على تفوقها النوعي، والصين أصبحت عاملًا حاضراً في حسابات كل صفقة استراتيجية تقريبًا.
وهكذا تعمل العلاقات الدولية.
لا توجد صفقة سلاح منفصلة تماماً عن السياسة.
ولا توجد طائرة مقاتلة منفصلة عن التحالفات.
ولا توجد قاعدة عسكرية منفصلة عن الاقتصاد.
ولا توجد قوة عسكرية حقيقية منفصلة عن العلم.
والأهم من كل ذلك:
لا يوجد استقلال استراتيجي حقيقي من دون امتلاك قدر من المعرفة والتكنولوجيا والصناعة التي تسمح للدولة بأن تقول “لا” عندما تتعارض مصالحها مع مصالح الآخرين.
هذه هي الخلاصة التي أرى أنها تستحق أن نتعلمها من قصة الـF-35:
السلاح الذي تشتريه قد يحميك اليوم ، لكن العلم الذي تنتجه هو الذي يمنحك القدرة على حماية قرارك غداً.



