هل تنزلق أوروبا إلى حرب عالمية ثالثة ؟

✍️ يوحنا عزمي
وعلى الجهة الأخرى من هذا الكوكب الذي يبدو أنه فقد منذ سنوات معنى الاستقرار ، تتصاعد لغة التهديد بين روسيا وبريطانيا إلى مستويات تستدعي التوقف والتأمل، ليس لأن الحرب بين موسكو والغرب أمر جديد، وإنما لأن الخطورة الحقيقية تكمن في انتقال الخطاب من مجرد التحذيرات السياسية إلى الحديث بصورة أكثر وضوحاً عن استهداف عسكري محتمل.
القصة بدأت مع استمرار بريطانيا في تقديم الدعم العسكري لأوكرانيا، وهو دعم لم يعد يقتصر على المساعدات الإنسانية أو المعدات الدفاعية التقليدية، وإنما يشمل منظومات دفاع جوي وصواريخ بعيدة المدى وطائرات مسيرة، ضمن حزمة مساعدات عسكرية جديدة تبلغ قيمتها نحو 100 مليون جنيه إسترليني، بحسب ما أُعلن.
وهنا تحديداً تكمن حساسية الموقف من وجهة النظر الروسية، لأن موسكو تنظر إلى الأسلحة بعيدة المدى باعتبارها عنصراً يمكن أن يغيّر طبيعة العمليات العسكرية ، خصوصاً إذا استُخدمت ضد أهداف داخل الأراضي الروسية أو في عمليات تستلزم معلومات استخباراتية ودعماً لوجستياً وتقنياً من الدول التي توفرها.
بريطانيا، من جانبها، تتحرك في إطار رؤيتها للأزمة الأوكرانية باعتبار أن دعم كييف جزء من استراتيجية أوسع لاحتواء التوسع الروسي ومنع موسكو من فرض واقع أمني جديد في أوروبا الشرقية. كما أن لندن ترى أن استمرار الضغط العسكري والسياسي على روسيا يخدم الأمن الأوروبي ويعزز قدرة أوكرانيا على التفاوض من موقع أقوى.
لكن موسكو تقرأ المشهد بطريقة مختلفة تماماً.
بالنسبة للكرملين، كلما زادت نوعية الأسلحة الغربية المقدمة لأوكرانيا، وكلما اتسع نطاقها ومدى استخدامها، اقتربت الدول الداعمة لكييف من أن تصبح، وفق الرؤية الروسية، طرفاً مباشراً في الصراع وليس مجرد داعم خارجي.
وهنا جاءت التحذيرات الروسية لبريطانيا، والتي تضمنت لهجة شديدة، مع الإشارة إلى أن المنشآت أو الأصول العسكرية البريطانية يمكن أن تصبح أهدافًا مشروعة في حال توسع الدور البريطاني في الحرب.
وهذه النقطة تحديداً هي الأخطر في المشهد، لأنها تعكس انتقال الصراع من مجرد مواجهة روسية أوكرانية إلى مساحة أوسع تتداخل فيها القوى الكبرى بصورة مباشرة وغير مباشرة.
الأكثر أهمية أن موسكو تستخدم مفهوم “الحرب بالوكالة” لوصف الدعم الغربي لأوكرانيا، وتعتبر أن استمرار هذا الدعم يستهدف روسيا بصورة غير مباشرة. وفي المقابل، ترى لندن وحلفاؤها أن دعم أوكرانيا ضرورة لمنع تغيير الحدود بالقوة وللحفاظ على التوازن الأمني الأوروبي.
وبين هاتين الرؤيتين ، يصبح العالم أمام معادلة شديدة التعقيد: كل طرف يعتقد أن التراجع قد يمنح الطرف الآخر مكاسب استراتيجية، ولذلك يستمر التصعيد، وتتحول الأسلحة الجديدة إلى رسائل سياسية بقدر ما هي أدوات عسكرية.
والأخطر هنا أن بريطانيا ليست دولة منفردة خارج أي تحالف، فهي عضو في حلف شمال الأطلسي “الناتو”. ولذلك فإن أي هجوم مباشر على الأراضي البريطانية أو على أهداف عسكرية بريطانية يمكن أن يفتح باباً لأزمة أكبر بكثير ، بحسب طبيعة الهجوم والظروف التي يقع فيها وكيفية تفسير الحلفاء له.
وفي المقابل، فإن روسيا ليست وحدها في المشهد الدولي، فهناك شراكات وعلاقات متنامية مع دول أخرى ، وعلى رأسها الصين، إضافة إلى علاقات استراتيجية مع دول مثل كوريا الشمالية وإيران، وإن كانت طبيعة هذه العلاقات تختلف من دولة إلى أخرى ولا تعني بالضرورة وجود تحالف عسكري موحد يخوض حرباً واحدة ضد الغرب.
وهنا يجب أن نتوقف قليلًا أمام نقطة شديدة الأهمية : ليس كل تصعيد بين القوى الكبرى يعني بالضرورة اندلاع حرب عالمية. هناك مساحات واسعة للمناورة السياسية والردع والرسائل الدبلوماسية، وغالبًا ما تستخدم الدول الكبرى لغة شديدة القسوة بهدف ردع الخصم قبل الوصول إلى المواجهة المباشرة.
لكن المشكلة الحقيقية أن سياسة حافة الهاوية تحمل دائماً خطر سوء التقدير.
فقد تبدأ الأزمة بصاروخ بعيد المدى ، أو بضربة على منشأة عسكرية، أو بعملية إلكترونية، أو باستهداف موقع يُعتقد أنه مرتبط بدولة أخرى، ثم يدخل طرف ثالث على الخط ، وتبدأ سلسلة من الردود المتبادلة التي يصعب أحياناً التحكم في مسارها.
وهذا هو السيناريو الذي يجعل التصعيد الروسي الغربي مقلقاً، ليس فقط بالنسبة لأوروبا ، وإنما للعالم كله.
لأن دخول القوى الكبرى في مواجهة مباشرة لن تكون آثاره محصورة في ساحات القتال. أوروبا ستواجه تداعيات أمنية واقتصادية هائلة، وأسواق الطاقة قد تتعرض لموجات اضطراب، وسلاسل الإمداد العالمية يمكن أن تتأثر، كما أن الشرق الأوسط وأفريقيا سيكونان من أكثر المناطق تأثراً بأي اضطراب طويل في الاقتصاد العالمي وأسواق الغذاء والطاقة.
أما الشرق الأوسط تحديداً ، فهو يعيش أصلًا على وقع أزمات متشابكة من إيران إلى غزة ولبنان واليمن، وبالتالي فإن انتقال التوتر الأوروبي الروسي إلى مستوى أعلى سيضيف طبقة جديدة من عدم الاستقرار إلى منطقة تعاني بالفعل من تداعيات الصراعات الدولية.
المفارقة أن الإنسان الذي يمتلك كل هذه القدرات العسكرية والتكنولوجية الهائلة، والذي يفترض أن يستخدم العلم والاقتصاد والسياسة في بناء الحضارة ، لا يزال قادراً على وضع مستقبل ملايين البشر تحت رحمة قرار عسكري أو حساب سياسي خاطئ.
ولهذا فإن أخطر ما في المشهد الحالي ليس مجرد التصريحات النارية المتبادلة بين موسكو ولندن، وإنما تراكم الأزمات وتداخلها وتشابك القوى الكبرى فيها، بما يجعل أي خطأ في الحسابات أكثر تكلفة من أي وقت مضى.
العالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من التصعيد بقدر ما يحتاج إلى قنوات اتصال تمنع سوء التقدير، وآليات سياسية تحول دون انتقال الصراعات غير المباشرة إلى مواجهة مباشرة بين القوى النووية.
فالسياسة الدولية ليست مجرد لعبة عضلات، والحروب الكبرى لا تبدأ دائماً بقرار معلن يقول إن الحرب قد بدأت، أحياناً تبدأ بسلسلة من القرارات الصغيرة ، يتصور كل طرف أنها محسوبة ، ثم يجد الجميع أنفسهم أمام واقع لم يكن أحد يريد الوصول إليه.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن أمن أوروبا وروسيا والشرق الأوسط وأفريقيا والاقتصاد العالمي مترابط بدرجة تجعل أي مواجهة كبرى بين القوى الدولية أزمة عابرة للحدود، يدفع ثمنها المدنيون والاقتصادات والشعوب قبل أن يدفعه أصحاب القرارات أنفسهم.
نسأل الله السلامة، وأن تنتصر لغة العقل والدبلوماسية على لغة التصعيد، وأن يدرك صانعو القرار أن امتلاك القوة لا يعني بالضرورة استخدامها، وأن أخطر لحظة في تاريخ أي صراع هي اللحظة التي يعتقد فيها الجميع أن السيطرة على التصعيد ما زالت مضمونة.



