نتنياهو يترنح سياسياً .. هل اقتربت نهاية الرجل الذي قاد إسرائيل إلى واحدة من أكثر مراحلها دموية واضطراباً؟

بقلم : يوحنا عزمي
يبدو أن المشهد السياسي الإسرائيلي يقترب من مرحلة جديدة من التحولات العميقة، في ظل تصاعد الضغوط السياسية التي تحاصر بنيامين نتنياهو، وتزايد المؤشرات على تراجع نفوذ التيار اليميني المتطرف الذي شكل أحد أهم أركان حكومته خلال السنوات الماضية. فالرجل الذي اعتاد تقديم نفسه باعتباره الزعيم القادر على إعادة رسم خرائط المنطقة ، وفرض معادلات القوة على خصوم إسرائيل، يجد نفسه اليوم أمام اختبار سياسي بالغ الصعوبة، قد يضع حداً لحقبة طويلة من الهيمنة على المشهد السياسي الإسرائيلي.
وفي قلب هذه التحولات يبرز اسم جادي آيزنكوت، الذي يُطرح باعتباره أحد أبرز الوجوه القادرة على قيادة مرحلة سياسية مختلفة ، مستفيداً من حالة الاستياء المتزايدة تجاه سياسات نتنياهو، ومن التصدعات التي أصابت معسكر اليمين ، فضلاً عن التغيرات في موازين القوى داخل الكنيست الإسرائيلي.
لكن لفهم أبعاد هذه اللحظة ، لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد منافسة انتخابية أو صراع على مقاعد السلطة ، وإنما باعتبارها انعكاساً لأزمة أعمق تضرب بنية النظام السياسي الإسرائيلي ، وتكشف عن حجم التناقضات التي باتت تحكم العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسياسية، وبين التيارات القومية والدينية ، وبين المصالح الأمنية والحسابات الانتخابية.
لقد مثل تحالف نتنياهو مع إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش أحد أكثر التحالفات إثارة للجدل في تاريخ الحكومات الإسرائيلية الحديثة. فهذان التياران لم يكونا مجرد شريكين سياسيين عاديين، بل عبرا عن توجهات يمينية قومية ودينية متشددة، دفعت باتجاه سياسات أكثر تصعيداً في الأراضي الفلسطينية، وأسهمت في تعميق حالة الاستقطاب الداخلي، ورفعت منسوب التوتر الإقليمي إلى مستويات بالغة الخطورة.
ومن هنا، فإن أي تراجع سياسي لهذا التحالف لن يكون مجرد خسارة انتخابية لنتنياهو، بل قد يمثل ضربة لمشروع سياسي كامل راهن على توظيف الخطاب الديني والقومي المتشدد في إدارة الصراع، وعلى تحويل الأزمات الأمنية إلى أدوات لتعزيز البقاء في السلطة.
ومع ذلك، فإن التعامل مع احتمال صعود آيزنكوت باعتباره تحولاً جذرياً في طبيعة الدولة الإسرائيلية سيكون قراءة متعجلة. فالرجل، رغم تقديم نفسه باعتباره شخصية أكثر اعتدالاً وبراغماتية مقارنة بالتيار المحيط بنتنياهو، يظل جزءًا من المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية ، ويحمل خلفية أمنية وعسكرية تعكس رؤية تقليدية لمصالح إسرائيل الإستراتيجية.
وبالتالي، فإن الاختلاف المحتمل بينه وبين نتنياهو لا يعني بالضرورة اختلافاً جوهرياً في الثوابت السياسية والأمنية الإسرائيلية، وإنما قد يتمثل في أسلوب إدارة الملفات ، وطبيعة التحالفات الحاكمة ، وحدود التصعيد ، ومدى الاستعداد للتعامل مع الضغوط الدولية والإقليمية.
بمعنى أكثر وضوحاً ، قد تتغير الوجوه الموجودة في قمة السلطة، وقد تتراجع حدة الخطاب السياسي المتطرف ، لكن ذلك لا يعني تلقائياً أن السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين أو المنطقة ستشهد انقلاباً استراتيجياً. فهناك مؤسسات عسكرية وأمنية، ومصالح اقتصادية واستيطانية، وتوجهات سياسية راسخة تتجاوز الأشخاص والحكومات ، وتفرض قيوداً كبيرة على أي قيادة جديدة.
أما نتنياهو ، فإن أزمته الحقيقية تتجاوز مسألة خسارة السلطة.
فالرجل يواجه إرثاً سياسياً وأمنياً بالغ الثقل ، بعدما ارتبطت سنوات حكمه بأزمات متلاحقة، وانقسامات داخلية عميقة، وتدهور في صورة إسرائيل الدولية، فضلًا عن التداعيات السياسية والأمنية للحرب على قطاع غزة. كما أن ملفاته القضائية تظل عنصراً حاضراً في حسابات مستقبله السياسي، وتلقي بظلالها على أي سيناريو يتعلق بخروجه من السلطة.
ولذلك ، فإن خسارة نتنياهو للسلطة ، إذا تحققت ، لن تكون بالضرورة نهاية معاركه، بل ربما تكون بدايتها الحقيقية، إذ ستصبح مسألة الحصانة والملاحقات القضائية وإعادة تقييم قرارات حكومته من الملفات الأكثر حساسية في المرحلة التالية.
ومن اللافت أيضاً أن نتنياهو، الذي طالما حاول توظيف التهديد الإيراني باعتباره أحد المحاور الرئيسية في خطابه السياسي ، يجد نفسه أمام معادلة مختلفة، فبدلاً من التركيز على كيفية تغيير النظام في طهران أو احتواء نفوذها الإقليمي، بات مطالباً بالتعامل مع احتمالات تغيير النظام السياسي الذي منحه السلطة داخل إسرائيل نفسها.
وهنا تظهر المفارقة السياسية بوضوح: الزعيم الذي بنى جانباً كبيراً من شرعيته على خطاب الأمن القومي والتهديدات الخارجية، قد يجد أن التحدي الأكبر الذي يواجهه لم يعد قادماً من طهران ، وإنما من داخل المؤسسات السياسية الإسرائيلية ذاتها.
لكن السؤال الأهم : هل يستطيع آيزنكوت بالفعل تشكيل حكومة جديدة وإنهاء حقبة نتنياهو؟
الإجابة تتوقف على قدرته على تحويل التأييد السياسي والتوصيات البرلمانية إلى ائتلاف حكومي متماسك ، قادر على تجاوز التناقضات الأيديولوجية والحسابات الحزبية. فالحصول على دعم عدد من أعضاء الكنيست لا يعني بالضرورة امتلاك حكومة مستقرة ، خصوصاً في نظام سياسي شديد التعقيد، تتداخل فيه المصالح الحزبية مع الاعتبارات الدينية والقومية والأمنية.
كما أن موقف الأحزاب العربية يظل عنصراً مهماً في حسابات تشكيل الحكومة، حتى إذا لم تكن راغبة في المشاركة الوزارية المباشرة. فالمعادلة البرلمانية الإسرائيلية تسمح بأشكال مختلفة من الدعم السياسي، وقد يصبح هذا الدعم حاسمًا في ترجيح كفة معسكر على حساب آخر.
ومع ذلك ، لا ينبغي استبعاد قدرة نتنياهو على المناورة، فهو سياسي يمتلك خبرة طويلة في إدارة الأزمات وبناء التحالفات ، وقد يلجأ إلى طرح حكومة وحدة وطنية باعتبارها مخرجاً من مأزقه، أو يحاول استثمار المخاوف الأمنية والإقليمية لإعادة تجميع القوى اليمينية حوله.
أما السيناريوهات المحتملة للمرحلة المقبلة ، فيمكن قراءتها من خلال ثلاثة مسارات رئيسية:
أولاً ، نجاح آيزنكوت في تشكيل حكومة جديدة، وهو السيناريو الذي قد يفتح الباب أمام إعادة ترتيب الأولويات السياسية والأمنية الإسرائيلية، وتقليص نفوذ بن غفير وسموتريتش، وربما تبني خطاب أكثر براغماتية في التعامل مع الملفات الإقليمية والدولية.
ثانياً ، تعثر تشكيل الحكومة نتيجة الخلافات الحزبية وتضارب المصالح، وهو ما قد يمنح نتنياهو فرصة جديدة للمناورة واستعادة جزء من نفوذه، أو يدفع إسرائيل إلى مرحلة إضافية من عدم الاستقرار السياسي.
ثالثاً ، التوصل إلى صيغة ائتلافية أو حكومة وحدة وطنية، وهي صيغة قد تبدو جذابة في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية ، لكنها لن تكون بالضرورة نهاية للخلافات ، بل ربما مجرد تسوية مؤقتة تؤجل الصراع على السلطة.
وماذا يعني كل ذلك بالنسبة للمنطقة؟
من المؤكد أن أي تغيير في القيادة الإسرائيلية ستكون له انعكاسات تتجاوز حدود الداخل الإسرائيلي ، خصوصاً في ظل الحرب على غزة ، والتوترات المرتبطة بإيران، ومستقبل الجبهات الشمالية، والعلاقات مع الولايات المتحدة والدول العربية.
لكن من الخطأ الاعتقاد بأن رحيل نتنياهو وحده كفيل بإنهاء الأزمات. فالمشكلة لا تتعلق بشخص واحد فقط ، وإنما بمنظومة سياسية وأمنية أنتجت سياسات توسعية وتصعيدية ، ولا تزال قطاعات مؤثرة داخل المجتمع الإسرائيلي تؤيد استمرارها بأشكال مختلفة.
ومع ذلك، فإن تراجع التيار الأكثر تطرفاً من مراكز صناعة القرار قد يخلق مساحة جديدة للتحرك الدبلوماسي، ويمنح الأطراف الإقليمية والدولية فرصة لاختبار مسارات مختلفة لاحتواء التصعيد ، وإعادة فتح الملفات التي أغلقتها سنوات المواجهة والحسابات الانتخابية.
وفي تقديري، فإن الأهمية الحقيقية لما يجري لا تكمن فقط في احتمال خروج نتنياهو من المشهد، وإنما في حقيقة أن إسرائيل تواجه أزمة ثقة داخلية وأزمة شرعية دولية وتحديات استراتيجية متزامنة ، وهي أزمات لن تستطيع أي حكومة جديدة تجاوزها بمجرد تغيير رئيس الوزراء.
قد يرحل نتنياهو، وقد يتراجع نفوذ حلفائه من اليمين المتطرف، لكن السؤال الذي سيظل مطروحاً هو: هل تمتلك القيادة الإسرائيلية الجديدة إرادة سياسية حقيقية لمراجعة النهج الذي قاد المنطقة إلى هذا القدر من الدماء والدمار، أم أننا أمام إعادة إنتاج للسياسات ذاتها بوجوه أكثر هدوءًا وخطاب أقل صخباً؟
أما نتنياهو، فإن خروجه من السلطة، إن تحقق، سيكون بمثابة فصل جديد في مسيرته السياسية، وربما بداية مرحلة من الحسابات القضائية والسياسية التي طالما حاول تجنبها.
فالسلطة قد تمنح صاحبها نفوذاً واسعاً ، لكنها لا تضمن له البقاء إلى الأبد، والتاريخ السياسي لا يُكتب فقط بما يحققه القادة من مكاسب، بل أيضاً بما يتركونه خلفهم من أزمات وتبعات وقرارات يصعب محو آثارها.
وفي النهاية ، قد لا تكون نهاية نتنياهو هي نهاية المشروع اليميني المتطرف في إسرائيل ، لكنها بالتأكيد ستكون اختباراً مهماً لمدى قدرة هذا المشروع على الاستمرار دون الرجل الذي ظل لسنوات أحد أبرز مهندسيه.



