مقالات

النضج العاطفي

✍️إيريني نعيم

يُشكل “النضج العاطفي” صمام الأمان لمختلف العلاقات ابتداءً من العلاقة بين الزوجين إلى العلاقة مع الأولاد والأصدقاء وزملاء العمل والمهنة، وتظهر علامات النضج العاطفي قبل الزواج في صور مختلفة منها حسن الاختيار وسلامة إتخاذ القرار.

وخلافاً لما هو متوقع فإن علامات النضج العاطفي لا ترتبط بالعمر والخبرات، ولكنها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بكمية الاستفادة التي نحصل عليها الإنسان من تلك التجارب والخبرات، ولهذا فقد تجد شخصاً متقدماً في السن لكنه غير ناضج عاطفياً لأنه لم يستفد من التجارب الكثيرة التي مرت به ولم يتعلم من أخطائه أبداً، بينما تجد شاباً صغيراً في السن لكنه ناضج عاطفياً بشكل يجعله مركز اهتمام من حوله وقدوة لأقرانه، ما هي علامات النضج العاطفي وكيف يؤثر على العلاقات المختلفة هذا ما سوف نتحدَّث عنه خلال السطور القادمة.

ما هو النضج العاطفي

بينما يعتقد البعض أن النضج العاطفي هو مجرد القدرة على التعبير عن المشاعر والرغبات التي يشعر بها الشخص، يحتل النضج العاطفي مكانة ويحتمل معان أكبر من ذلك وأوسع فالشخص الذي تشعر بالراحة عند الحديث معه، أذلك الشخص القادر على فهم المشاكل والتعامل مع التوتر، ويُقدم النصيحة للآخرين بشكل رائع وأسلوب مميز يجعلهم يثقون به ويعتمدون عليه، ذلك الشخص لديه مستوى مرتفع من النضج العاطفي.

علامات عدم النضج العاطفي

كما أوضحنا فإن النضج العاطفي لا يرتبط بالعمر لكنه يتقدم ويزداد مع تراكم الخبرات والتجارب التي يمر بها الإنسان ويستفيد منها لذلك قد يكبر النضج العاطفي عند البعض بسرعة فائقة نتيجة التربية والظروف المُحيطة بينما يتأخر البعض الآخر نتيجة الدلال الزائد أو الإصرار على التعامل مع الآخرين بردود فعل انفعالية..

ومن تلك العلامات التي تشير إلى عدم النضج العاطفي

– إلقاء اللوم على الآخرين

أول علامات عدم النضج العاطفي هو إلقاء اللوم على الآخرين “من الذي كسر اللعبة، لست أنا إنه فلان” تلك العادة التي يمارسها الطفل بكثرة وتكبر معه طالما لم يملك القدر الكافي من النضج العاطفي، تراه قد يرتكب الأخطاء ويبحث عن أي شخص ليكون “شماعة” يُعلق عليها جميع أخطائه.

يكبر ويُلقي باللوم على الآخرين في تقصيره وجميع أخطائه وذنوبه.

– التهرب من المسؤولية

يحاول دائماً ألا يتحمل مسؤولية شيء على الإطلاق لأنه يشك دائماً بقُدرته على تحمُّل المسؤولية، سواء عن نفسه أو عن غيره في البيت والمدرسة والعمل، وأكثر ما تظهر تلك الصفة عند الشباب الذين يدخلون في علاقات عاطفية ثم سرعان ما يهربون ويتخلون عن الشريك فور الحديث عن الخطبة والزواج على سبيل المثال.

– التصرف بانفعالية

يغضب بسرعة ولأسباب تافهة فيرتكب أخطاءً كبيرة أو يتلفظ بعبارات قاسية، ولأنه لا يستطيع أن يتحمل المسؤولية يحاول إلقاء اللوم على الآخرين مجدداً.

– التفكير بأنانية

يُفكر بنفسه دائماً ومصلحته وطريقة تلبية احتياجاته الخاصة ويظن أن الآخرين مجبرين على العناية به وتلبية احتياجاته بينما يتهرب من أي مسؤولية له تجاه الآخرين وقد يفتعل المشاكل للهروب من تلك المسؤولية، وهنا يصعب التمييز بين النضج العاطفي الذي يدعيه ذلك الشخص والتلاعب العاطفي الذي يمارسه على الآخرين بهدف الهروب من المسؤولية.

– الاستفزاز الدائم ومحاولة الإنتصار

تستفزه أتفه الأسباب ويثور لأمور غريبة في كثير من الأحيان ويحاول الانتصار وإثبات صحة موقفه في جميع الأمور وإن كانت لا تتطلب النقاش ولا الجدال.

– إيذاء الآخرين وعدم الاعتراف بالذنب

بسبب الأنانية والتفكير بالذات يقوم الشخص غير الناضج عاطفياً بإيذاء الآخرين بشكل مستمر دون الاعتراف بالذنب، لأنه مُعتاد على عدم تحمل المسؤولية وعدم الاعتراف بالخطأ.

– عدم القدرة على الحوار

التشبث بالرأي والتهرب من الحوار الهادئ هو أحد أهم علامات عدم النضج العاطفي، فالطفل الذي يريد لُعبة ما، لا يقبل بتغييرها أو حتى تأجيل موعد الحصول عليها، وكذلك الشخص المتشبث برأيه هو لا يملك إلَّا فكرة واحدة مزروعة في عقله لا يستطيع التفكير بغيرها ولا حتى انتقادها وهذا يساهم في الحد من قدرته على التعلم لما يملكه من صفات الأنانية وصعوبة الاعتراف بالذنب أو التعاون مع الآخرين والتعلُّم منهم.

– الشكوى والتذمر

نتيجة التهرب من المسؤولية وإلقاء اللوم على الآخرين تجد الشخص غير الناضج عاطفياً يُكثر من الشكوى والتذمر من الظروف والناس من حوله والحياة بشكلٍ عام، لأنه لا يعترف بالذنب ولا يتعلم من أخطائه أبداً.

علامات النضج العاطفي

تختلف علامات النضج العاطفي عند الرجل عن علامات النضج العاطفي عند المرأة، كما تختلف قبل الزواج وبعده أيضاً. لتكون ناضج عاطفياً بشكل يجعلك قادراً على التواصل مع الآخرين، واتخاذ القرارات المصيرية واختيار الشريك أو التعامل معه فإليك هذه المجموعة من العلامات التي يُمكن أن تَظهر في أوقات وحالات متعددة ومختلفة.

– القدرة على تحمل المسؤولية

نتيجة اكتساب الخبرات والاستفادة منها يُدرك الشخص بأن ارتكاب الأخطاء هو أمر طبيعي في حياة البشر لذلك فإنه لا يتردد بالاعتراف بالخطأ وتحمُّل المسؤولية، كما يدرك الشخص الذي يملك وعياً عاطفياً كافياً أن التواضع والاعتراف بالخطأ يزيد من قدرته على التواصل مع الآخرين ويرفع من مكانته أكثر من المكابرة، لذلك فإنه لا يتردد في مراجعة مواقفه والتعلم من أخطائه.

– التعاون وتفهم تجارب الآخرين

إدراك التجارب والخبرات المختلفة بين البشر هو من أهم علامات النضج العاطفي، التي تدفع الشخص الناضج عاطفياً إلى التعامل مع الآخرين باحترام والتعاون معهم بدل العدوانية اتجاههم ومحاولة تفهُم التجارب التي مرت بهم والتعلم منهم أو مساعدتهم في التقدم وتبادل الخبرات.

– التفاعل بناء على الوعي والتفكير

هناك علاقة متبادلة بين الوعي العاطفي والاستفادة من التجارب فكلما كان التعامل مع الأحداث مبنياً على التفكير وبعيداً عن الانفعالية كلما ازداد الوعي العاطفي، والعكس صحيح.

التفكير قبل التصرف يحمي الإنسان من ارتكاب الكثير من الأخطاء بينما يقع الشخص الانفعالي والمتسرع بالكثير من المشاكل التي تقضي على الكثير من العلاقات أيضاً.

– الجرأة وعدم الخوف من الفشل

مع ازدياد الوعي العاطفي يُدرك الإنسان أن الفشل ليس عيباً ما يدفعه إلى مزيد من الجرأة والتجربة، إذا كنت تحاول بناء علاقة مع شخص ما فالرفض لا يُعتبر نهاية العالم، كذلك إذا تقدمت إلى عمل أو وظيفة، الجرأة في التواصل مع الآخرين دون الخوف من العواقب هو ضرورة لا بد منها حتى إذا لم تسير الأمور بالشكل الذي كنت ترغب به.

الشعور بالخيبة لبعض الوقت هو أمر طبيعي حقاً ولكن الشخص الناضج عاطفياً لا يشعر بالخوف من تكرار المحاولة.

– التعاطف مع الآخرين

تلك الصفة الرائعة التي تجعل الشخص الناضج عاطفياً محط اهتمام الآخرين واحترامهم، لأنه يشعر بالآخرين ويهتم لأمرهم، يضع نفسه في مكانهم ويتعاطف معهم بالشكل الصحيح ويُقدم لهم النصح والمشورة بدل أن يشعرهم بالعداء والأنانية.

– طلب ​​المساعدة من الآخرين

القدرة على طلب المساعدة من الآخرين دليل على التواضع والوعي العاطفي والتفكير بواقعية، فالشخص الذي يملك قدراً كافياً من النضج العاطفي يُدرك بأن ادعاء قدرته القيام بكل شيء وحده هو دليل ضعف في التواصل مع الآخرين والتأقلم معهم وليس دليل قوة.

– يُفضل كسب القلوب على كسب المعارك

هذا لا يعني بأنه يتنازل دائماً أو يعتذر ويتراجع، لكنه قادر على التمييز جيداً بين المعارك التي يجب أن يخوضها وتلك التي يجب عليه أن يبتعد عنها، فهو لا يُستفز لأتفه الأسباب، ولا يهتم بالرد على كل فعل أو حدث، ولا يورط نفسه بردود انفعالية ساذجة.

– القدرة على ضبط النفس

إذا غضب الطفل من الطبيعي أن يقوم الكبار بالسيطرة على غضبه واستيعابه حتى يهدأ، لكن ماذا عن البالغين؟

من أوضح علامات النضج العاطفي قدرة الشخص على ضبط النفس وتشير الدراسات بأن غسل الوجه والجسم بالماء قد يساعد في التخلص من الغضب والمشاعر السلبية، وان الشديد والقوي هو الذي يملك نفسه عند الغضب.

الشخص الذي لا يستطيع التحكم بغضبه، ودائماً ما يتلفظ بكلمات أو يقوم بأفعال سيئة بحجة الغضب حتى ولو كان ذلك لأسباب بسيطة يفتقر إلى قدرٍ كبير من الوعي العاطفي.

– القدرة على وضع الحدود

تكمن أهمية وضع الحدود في أنها الآلية التي تستطيع من خلالها ضبط المعايير التي تحكم العلاقة مع كل شخص بشكل مختلف حسب طبيعية العلاقة بين الطرفين، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن ضبط حدود المشاعر بالحب أو الإعجاب وحتى الكره والبغض وفق معايير تُحافظ على توازن الصحة النفسية من جهة وتضمن استمرار الاحترام في التعامل والعلاقات من جهة ثانية.

ختاماً لابد من الإهتمام بتربية الأطفال بطريقة تُكسبهم الوعي العاطفي والتوازن النفسي لمواجهة الحياة والتعامل مع المواقف وتجعلهم قادرين على تحمل المسؤولية واتخاذ القرارات الصحيحة مُستقبلاً، فالنضج العاطفي هو أمر نسبي يمكن تعزيزه عبر تربية الطفل بطريقة صحية ومتوازنة بعيداً عن القسوة الجارفة أو الدلال المُفرط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!