مقالات

هل تتحول فضيحة رسائل إبستين إلى بوابة للسيطرة على موانئ دبي العالمية؟

✍️ بقلم : يوحنا عزمي

الحديث عن قلق داخل القصر من رسائل إبستين لا يمكن فصله عن اللحظة السياسية الأمريكية الراهنة ، ولا عن طبيعة توظيف الفضائح الكبرى في إعادة رسم خرائط النفوذ الاقتصادي تحت غطاء أخلاقي أو قانوني.

فتح ما يُوصف بالصناديق السوداء في مراسلات جيفري إبستين لم يعد مجرد نبش في ماض إجرامي مغلق ، بل تحول إلى أداة ضغط عابرة للحدود ، حيث تختلط العدالة بالسياسة ، وحقوق الضحايا بحسابات السيطرة على أصول إستراتيجية ومع كل دفعة جديدة من الرسائل التي يُقال إنها خرجت إلى العلن أو سُربت بشكل انتقائي ، يتعاظم الإحساس بأن الفضيحة لم تعد قابلة للاحتواء ، وأن مسارها قد لا يتوقف عند الأفراد ، بل قد يمتد إلى مؤسسات كاملة.

في واشنطن ، وعلى الطريقة الترامبية المعهودة ، لا تُدار المعارك الكبرى دائماً داخل قاعات المحاكم فقط ، بل في الإعلام والكونغرس ، وغرف الضغط الخلفية ، حيث يُصنع الرأي العام ثم يُقاد نحو هدف محدد. حين تصبح القضية عبئاً أخلاقياً على الداخل الأمريكي ، وحين تتراكم مطالب الضحايا بالتعويض والمحاسبة ، يبحث النظام السياسي عن مخرج مزدوج : إرضاء الغضب الشعبي من جهة ، وتحقيق مكسب استراتيجي من جهة أخرى.

في مثل هذه اللحظات ، يظهر مفهوم “كبش الفداء” ليس كفرد بل ككيان اقتصادي ضخم يمكن التضحية به أو إعادة تشكيله أو وضع اليد عليه باسم العدالة الدولية. وهنا يبرز اسم شركة بحجم موانئ دبي العالمية كهدف محتمل ، لا لأنها بالضرورة مذنبة بحكم نهائي ، بل لأنها تستوفي ، من زاوية صراعات القوة ، كل معايير الاستهداف : الانتشار العالمي ، الحساسية الجيوسياسية ، والتأثير المباشر على سلاسل التجارة الدولية.

المراسلات المنسوبة إلى إبستين ، بحسب ما يُتداول في دوائر إعلامية وسياسية ، لا تُقدم على أنها مجرد تواصل اجتماعي أو مجاملات نخبوية، بل تُصور كأدلة على دور يتجاوز العلاقة العابرة.

الحديث يدور عن أسماء لم تكن ، وفق هذا السرد ، ضيوف صالونات أو زائرين عابرين ، بل أطرافاً يُشتبه في أنهم كانوا جزءاً من شبكة مصالح تستفيد من مؤسسات قائمة بالفعل. الخطورة هنا لا تكمن فقط في الأسماء ، بل في الإيحاء بأن إبستين نفسه لم يكن مجرد سمسار علاقات أو ممول مظلم ، بل لاعباً يتدخل في إدارة مؤسسات ، ويُقدم أحياناً كمرجع غير معلن في إعادة الهيكلة وصياغة القرارات. سواء ثبت ذلك أو ظل في إطار الادعاءات ، فإن مجرد طرحه يفتح باباً واسعاً للتساؤلات القانونية والسياسية.

عندما نتحدث عن مؤسسة تدير مئات الموانئ حول العالم ، فنحن لا نتحدث عن شركة تقليدية ، بل عن شبكة عصبية للاقتصاد العالمي ، تتحرك عبر قارات متعددة ، وتعمل بجيوش بشرية هائلة ، من إدارات عليا إلى عمال موانئ ، مروراً بمقاولين فرعيين ، ووكلاء ، وشركات توظيف ، وسلاسل توريد بشرية معقدة.

هنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله : كيف تُدار هذه الشبكات البشرية في ظل تفاوت القوانين والمعايير من دولة إلى أخرى؟ من يختار العمال؟ عبر أي قنوات يتم التوظيف؟ ما طبيعة العقود؟ ومن يراقب فعلياً شروط العمل على الأرض ، خاصة في بيئات هشة أو فقيرة أو تعاني ضعف الرقابة؟

الإمارات ، بعدد سكانها المحدود، لا تمتلك بطبيعة الحال هذا العمق البشري الذي يغطي كل هذه العمليات العالمية ، ما يعني أن التوظيف والتشغيل بالضرورة يتجاوزان الحدود الوطنية ، ويتشابكان مع أنظمة قانونية متعددة ، بعضها صارم وبعضها الآخر مرن إلى حد الخطورة.

هذا التعقيد ، الذي يُعد في الظروف الطبيعية جزءاً من العولمة ، يمكن أن يتحول في سياق تحقيق دولي إلى ثغرة قاتلة، حيث تُطرح أسئلة عن الاستغلال ، والاتجار غير المباشر ، والانتهاكات المحتملة، حتى لو لم تكن ممنهجة أو مقصودة من المركز. في لحظة سياسية مسمومة ، لا أحد يميز بسهولة بين الخطأ الهيكلي والجريمة المتعمدة.

الموانئ ليست مجرد أرصفة وسفن وحاويات. هي نقاط التقاء المال بالبشر ، والتجارة بالأمن ، والشرعية بالتهريب المحتمل. هي مفترق طرق حساس ، وأي اتهام يمس نزاهة إدارتها أو شبكاتها البشرية يتحول فوراً إلى قضية أمن قومي لدول كبرى. من هنا ، فإن فتح تحقيق دولي واسع ، إذا تم ، لن يتوقف عند رسائل أو أسماء ، بل

قد يغوص في طبقات أعمق بكثير : حركة العمالة ، آليات التعاقد، دور الوسطاء، ومسؤولية الشركات الأم عن أفعال شركائها في دول بعيدة.

الخطر الحقيقي ، كما يراه كثير من المراقبين ، لا يكمن فقط في إدانة محتملة أو تسوية مالية ضخمة ، بل في استخدام الملف كذريعة لإعادة ترتيب السيطرة على عقد استراتيجية في التجارة العالمية.

التاريخ مليء بأمثلة تحولت فيها شعارات حقوق الإنسان أو مكافحة الفساد إلى أدوات لإزاحة منافسين والاستحواذ على أصول. وإذا كان ملف إبستين قد كشف بالفعل هشاشة المنظومات الأخلاقية للنخب العالمية ، فإن توسيع دائرته ليشمل مؤسسات عملاقة قد يفتح أبواباً لكوارث تفوق في أثرها فضائح إبستين نفسها ، ليس فقط على سمعة الشركات ، بل على استقرار سلاسل الإمداد العالمية.

في النهاية ، يبقى السؤال معلقاً : هل نحن أمام مسار عدالة حقيقي يهدف إلى كشف كل ما هو مخفي ومحاسبة كل من تورط ، أياً كان موقعه ، أم أمام عملية سياسية محسوبة تبحث عن ضحية كبيرة تُرضي الرأي العام ، وتُغلق الملف مرحلياً ، وتعيد توزيع النفوذ؟

الإجابة قد لا تظهر في بيان رسمي أو حكم قضائي سريع ، بل في الطريقة التي سيُدار بها التحقيق، وفي الأسماء التي ستُسقط، وتلك التي ستظل محمية خلف الجدران السميكة للسلطة والمال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!