مقالات

هل يهرب ترامب إلى حرب في الشرق الأوسط؟

✍️ يوحنا عزمي 

ما يحدث في الساعات الأخيرة لا يمكن اعتباره مجرد تطورات عابرة في المشهد السياسي الأمريكي ، بل يبدو أقرب إلى سلسلة من الصدمات المتلاحقة التي تضرب في قلب إدارة دونالد ترامب وتفتح أبواباً واسعة على احتمالات ثقيلة قد تمتد آثارها إلى الشرق الأوسط بأكمله. المشهد مرتبك ، سريع الإيقاع ، ومليء بإشارات يصعب تجاهلها ؛ إما أننا أمام تمهيد لحدث إقليمي كبير يلوح في الأفق ، أو أن هناك عملية تضليل إعلامي واسعة النطاق تُدار بعناية لإرباك الرأي العام وحرق الأعصاب في لحظة سياسية شديدة الحساسية.

البداية جاءت من واشنطن ، حيث خرج السيناتور الديمقراطي Ted Lieu في مؤتمر صحفي بتصريحات أحدثت دوياً داخل الأوساط السياسية والحقوقية. الرجل قال إن وثائق غير منقحة تتعلق بقضية Jeffrey Epstein، تم الاطلاع عليها تحت إشراف وزارة العدل ، تتضمن مؤشرات خطيرة تشير إلى تورط ترامب في جرائم اعتداء جنسي على قاصرات. 

الإتهام في حد ذاته كافٍ لإشعال عاصفة سياسية ، لكن خطورته تكمن في أنه يستند – بحسب التصريحات – إلى وثائق رسمية لم تُحذف منها الأسماء أو التفاصيل. فور انتشار الخبر ، تصاعدت دعوات داخل أروقة الكونغرس ودوائر المجتمع المدني للمطالبة بكشف كامل الوثائق ومحاكمة كل من يثبت تورطه ، مع حديث متداول عن تحركات محتملة من مكتب التحقيقات الفيدرالي لتفتيش مواقع ورد ذكرها في الملفات باعتبارها أماكن لإخفاء أدلة أو ضحايا.

ولم تمض ساعات حتى جاءت ضربة أخرى ، هذه المرة من المحكمة العليا الأمريكية ، التي أصدرت قراراً بإسقاط التعريفات الجمركية الشاملة التي فرضها ترامب على عدد كبير من دول العالم. القرار لم يكن تقنياً فحسب ، بل حمل في طياته إدانة دستورية واضحة، إذ اعتبرت المحكمة أن الرئيس تجاوز صلاحياته باستخدام قانون الطوارئ لفرض رسوم عالمية. 

هذا الحكم لا يضرب فقط أحد أعمدة مشروع “أمريكا أولًا” الاقتصادي ، بل يمس صورة القوة التنفيذية للرئيس، ويضع حدوداً حادة أمام استخدامه لصلاحيات استثنائية. رد ترامب جاء سريعاً وحاداً ، واصفاً القرار بأنه وصمة في تاريخ القضاء الأمريكي ، ومعلناً عزمه إصدار أمر تنفيذي جديد بفرض رسوم بنسبة 10% على جميع دول العالم، في رسالة تؤكد أنه لن يتراجع بسهولة ، وأنه مستعد لمواجهة مؤسسات الدولة ذاتها دفاعاً عن مشروعه.

في الخلفية ، يقترب موعد الإنتخابات النصفية ، المعروفة بـ United States midterm elections ، وهي استحقاق سياسي يُنظر إليه تقليدياً كاستفتاء على أداء الرئيس. السيطرة الجمهورية على الكونغرس قد تكون مهددة إذا استمرت هذه العواصف ، ومع خسارة الأغلبية يصبح فتح إجراءات مساءلة – أو ما يُعرف دستورياً بالـ Impeachment – احتمالًا واقعياً ، خاصة إذا تراكمت الملفات القضائية والسياسية بهذا الشكل. 

في مثل هذه اللحظات التاريخية ، كثيراً ما يُطرح سؤال تقليدي في السياسة الأمريكية : هل يمكن لرئيس محاصر داخلياً أن يلجأ إلى تصعيد خارجي يعيد ترتيب الأوراق؟

هنا تنتقل الأنظار إلى الشرق الأوسط. ترامب منح إيران مهلة عشرة أيام لإبرام إتفاق “فعال”، ملوحاً بأن البديل سيكون “أموراً سيئة”. بالتوازي ، ظهرت مؤشرات عسكرية لافتة ، من بينها تقارير عن إخلاء جزئي لقاعدة العديد في قطر ، وهي أكبر تمركز عسكري أمريكي في المنطقة ، في خطوة تذكر بإجراءات سبقت عمليات سابقة. صحيفة Politico نشرت تقريراً يفيد بإمكانية بدء ضربات أمريكية ضد أهداف إيرانية خلال أيام قليلة ، بينما دعت دول أوروبية رعاياها إلى مغادرة إيران فوراً ، في مشهد يعيد للأذهان أجواء ما قبل التصعيدات السابقة.

في إسرائيل ، رفعت السلطات مستوى الاستعداد ، وجرى الحديث عن فتح ملاجئ وإجراءات احترازية في مستشفيات تل أبيب.

تزامن ذلك مع غارة جوية استهدفت قيادات من حزب الله في مدينة بعلبك اللبنانية ، في عملية اعتبرها مراقبون جزءًا من محاولة استباقية لتحييد أطراف قد تنخرط في أي مواجهة إقليمية واسعة.

التقديرات الاستخباراتية التي تتناقلها وسائل إعلام إسرائيلية تشير إلى أن أي هجوم محتمل لم يعد فكرة نظرية ، بل مسألة توقيت.

هكذا تتقاطع الخيوط : رئيس أمريكي يواجه اتهامات جنائية خطيرة ، صداماً مع أعلى سلطة قضائية في بلاده ، واستحقاقاً انتخابياً قد يغيّر موازين القوى داخل الكونغرس ، وفي الوقت ذاته تصعيداً عسكرياً محتملًا مع إيران ، وتوتراً متصاعداً في إسرائيل ولبنان. السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط ما إذا كانت الحرب قادمة ، بل ما إذا كان التصعيد الخارجي قد يصبح أداة لإعادة تشكيل الداخل الأمريكي ، أو على الأقل لتجميد اندفاعه نحو المساءلة.

المشهد مفتوح على كل الاحتمالات ، والسرعة التي تتلاحق بها الأحداث تجعل من الصعب الفصل بين ما هو ضغط سياسي طبيعي، وما قد يكون تمهيداً لتحول استراتيجي كبير. 

الأيام القليلة المقبلة لن تحدد فقط مصير إدارة في واشنطن ، بل ربما ترسم ملامح مرحلة جديدة في الشرق الأوسط بأسره.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!