
✍️ بقلم : يوحنا عزمي
المشهد يبدو للبعض متناقضاً حد العبث ؛ غارات متواصلة على غزة، انتهاكات في الجنوب ، تصعيد في أكثر من ساحة ، وفي المقابل اجتماعات تحمل اسم “مجلس السلام” وكأن المنطقة تدخل طوراً جديداً من الإستقرار وإعادة الإعمار. هذا التناقض ليس صدفة ولا خللًا في التوقيت ، بل هو جوهر اللعبة السياسية نفسها. السياسة الدولية لا تتحرك وفق الشعارات المعلنة ، بل وفق موازين القوة وترتيبات ما تحت الطاولة. لذلك فإن انعقاد أي مجلس أو مؤتمر لا يعني بالضرورة أن الحرب انتهت ، بل قد يكون أحياناً جزءًا من هندستها بشكل أكثر إحكاماً.
الصدمة الحقيقية ليست في إستمرار الغارات رغم انعقاد المجلس، بل في تركيبة المجلس ذاته، وفي عضوية إسرائيل داخله. المفارقة هنا عميقة؛ كيان يُفترض أنه يهدف إلى ضبط سلوك أو احتواء أزمة تتصل بإسرائيل ، وفي الوقت نفسه تصبح إسرائيل عضواً فيه. هذه ليست ثغرة ، بل تكتيك. إشراك الطرف الأقوى داخل المنصة يمنحه القدرة على توجيه المسار ، وتفريغ القرارات من مضمونها إن تعارضت مع مصالحه ، وتحويل المجلس من أداة ضغط إلى مساحة لإدارة الوقت وإعادة التموضع. إسرائيل تجيد اللعب في المساحات الرمادية : تتشدد ميدانياً حين يفيدها التشدد ، وتظهر مرونة دبلوماسية حين تحتاج إلى غطاء سياسي أو أخلاقي.
أما مسألة الدعوات الموجهة لعشرات القادة وحضور أقل من النصف ، فهي مؤشر آخر على هشاشة الإجماع الدولي.
حين يُدعى ستون رئيس دولة ويحضر أربعة وعشرون فقط ، بينما تكتفي بقية الدول بإرسال وفود ، فذلك يعكس تحفظاً أو حسابات خاصة أو عدم اقتناع كامل بجدوى الإطار المطروح. حضور مصر بوفد مثلًا يعكس إدراكاً لخطورة اللحظة ، لكنه في الوقت ذاته يعبر عن حذر محسوب. الدول تتحرك وفق تقدير دقيق للكلفة والعائد، وليس وفق العناوين البراقة.
ثم نأتي إلى ملف الأموال المعلنة لإعادة الإعمار ؛ سبعة مليارات من تسعة أعضاء ، وعشرة مليارات تعهدت بها الولايات المتحدة. الأرقام في السياسة ليست مجرد أرقام ، بل رسائل. حين كان الإتحاد الأوروبي قدر الاحتياجات الأولية لإعادة الإعمار بأربعة وثمانين مليار دولار، يصبح الحديث عن سبعة مليارات أقرب إلى دفعة رمزية لا تعالج جوهر الأزمة. السؤال الأهم ليس كم الرقم، بل لمن سيُدفع ، وتحت أي آلية رقابة ، وبأي شروط سياسية. المال في هذا السياق أداة ضغط بقدر ما هو أداة إعمار. أما التعهد الأمريكي بعشرة مليارات دون توضيح المصدر أو مسار الإقرار التشريعي ، فهو يفتح باباً للتساؤل حول ما إذا كان التعهد التزاماً فعلياً أم ورقة تفاوضية قابلة للتعديل بحسب تطورات الميدان.
العقدة الأكثر حساسية تكمن في شرط نزع سلاح حماس كجزء جوهري من المرحلة الثانية لأي اتفاق. هنا تتقاطع الحسابات بشكل معقد. إذا ماطلت الحركة أو رفضت ، فإن إسرائيل تملك ذريعة قانونية وسياسية لاستئناف العمليات بحجة عدم التزام الطرف الآخر. وإذا قبلت الحركة بنزع السلاح كاملًا ، فإنها تفقد ورقة الردع الأساسية. في الحالتين ، إسرائيل تضمن مكسباً نسبياً ؛ إما نزع خصمها من معادلة القوة ، أو تحميله مسؤولية انهيار الاتفاق.
لذلك قد يبدو للوهلة الأولى أن رفض نزع السلاح يعقد المشهد ضد إسرائيل ، لكن من زاوية أخرى يمنحها مبرراً لإعادة الاجتياح متى أرادت، خصوصاً إذا كانت قد هيأت الرأي العام الدولي مسبقاً بأن الطرف الآخر هو من أفشل المسار السلمي.
التصعيد على جبهات أخرى ، كالغارات على لبنان ، لا يمكن فصله عن هذا السياق الأشمل. الحديث عن رفض حزب الله نزع سلاحه، وما قد يترتب عليه من تعقيد للانتخابات اللبنانية ، يعكس معضلة الدولة اللبنانية نفسها بين منطق الدولة ومنطق السلاح الموازي.
أي عجز رسمي عن حسم هذه المسألة يفتح الباب أمام تدخلات خارجية أو عمليات عسكرية تحت عنوان “إزالة التهديد”. وهنا يصبح الجنوب اللبناني ساحة محتملة لإعادة رسم قواعد الاشتباك.
كل ذلك يرتبط في النهاية بإيران باعتبارها المركز الذي تتفرع منه الأذرع الإقليمية. فكرة “ساعة الصفر” لضرب إيران ليست مجرد سيناريو عسكري ، بل هي تصور استراتيجي يقوم على مبدأ شل الرأس ثم التعامل مع الأطراف. إذا انشغلت طهران بمواجهة مباشرة مع قوى كبرى ، فإن قدرتها على دعم حلفائها ستتراجع ، ما يفتح المجال أمام إسرائيل للتحرك ضد تلك الأذرع بشكل متزامن. هذا التصور ، إن تحقق ، يعني إعادة صياغة الخريطة الأمنية للمنطقة على أسس جديدة.
حتى ما يُقال عن التحركات في القرن الإفريقي ، والاعتراف بأرض الصومال ، يُقرأ ضمن منطق التموضع الاستراتيجي قرب الممرات البحرية وخطوط الملاحة ، وفي مواجهة الحوثيين في اليمن.
المسافات لم تعد عائقاً في ظل القواعد العسكرية المتقدمة والتحالفات المتحركة. أما إرسال طائرات شحن عسكرية متطورة إلى الشرق الأوسط، وتحذيرات بعض الدول لرعاياها بمغادرة إيران، فهي إشارات على أن احتمالات التصعيد تؤخذ بجدية داخل دوائر صنع القرار.
السؤال الأخلاقي حول القانون الدولي والأمم المتحدة والمجتمع الدولي يظل حاضراً ، لكنه يصطدم بواقع أن النظام الدولي تحكمه القوة قبل النصوص. القانون الدولي يكتسب فعاليته حين تدعمه قوة قادرة على فرضه. أما حين تتعارض المصالح الكبرى ، فإن القانون يتحول إلى أداة خطابية أكثر منه أداة إلزام. تجارب العراق وأوكرانيا وفلسطين تؤكد أن ميزان القوة يسبق ميزان العدالة في ترتيب الأولويات الدولية.
هل يعني ذلك أن المشهد ميؤوس منه بالكامل؟
ليس بالضرورة ، لكنه يعني أن الرهان على البيانات والشجب وحدهما رهان خاسر. مواجهة فرض الأمر الواقع تتطلب قوة مضادة ، والقوة ليست عسكرية فقط ، بل علمية واقتصادية وتكنولوجية وإعلامية. بناء تكتل إقليمي يمتلك إرادة سياسية حقيقية وقدرة على التنسيق والضغط هو المدخل الوحيد لتعديل المعادلة.
السؤال الحاسم ليس ما الذي تفعله إسرائيل أو الولايات المتحدة، بل ما الذي تستطيع الدول العربية المتضررة أن تفعله مجتمعة، وهل تملك إرادة الانتقال من رد الفعل إلى الفعل.
في النهاية ، التفاؤل الأعمى خطير بقدر خطورة التشاؤم المطلق. قراءة الواقع ببرود قد تكون مؤلمة ، لكنها شرط لأي تحرك عقلاني. المنطقة تقف أمام لحظة إعادة تشكيل محتملة ، ومن لا يشارك في صياغة ملامحها سيجد نفسه خاضعاً لنتائجها.



