ابداعات

(سَجِينة) 

 

بقلم/ ندى سُليمان 

 

كلٌّ يسعى ليُحصِّل ما تتوق نفسه له ليسعد به، وما تاقت نفسٌ -سويَّةٌ- لشيئٍ توقها للحرية، فلو أُهديَ الأسير قصرًا بلا كدٍّ ولا تعبٍ في جزيرة أحلامِه، أيُّ سعادة ستحصل له بهذه الهدية وهو خلف قضبان الحديد.

 

ألَا ترون الطير يفرد جناحيه في السماء مُحَلِّقًا إلى أعلى تاركًا خلفه المستنقعات مُسْتَقرًا لِمن ليس له أجنحةً ليطيرُ بها ومَن لا تقوى أجنحتهُ على الطيران فيرضى مضطرًا بما هو فيه.

 

وهل رأيت عصفورًا يبحث عن حريةٍ بين أسلحةِ القناصة ثم يدَّعي أنه طلِقٌ سعيد! 

 

أيكونُ الطائر أكثرُ حكمةً منكِ لتكوني محرومة من الحرية، مستعبدة وأنتِ لا تدري!

تلك من ذهبت للتكشٌّف لتشعر بالحرية فسُلبتها عن إرادة!

 

أنتِ لست حُرَّة عزيزتي كما تدعين ليلًا نهارًا، بل لم تذوقي قطرة مما تُنادي به.

أنتِ رهينةُ كل عين وكل نظرة توجَّهت إليكِ. 

أنتِ أسيرة أعين الناس وتصنيفاتهم لكِ بحسْبِ ما يرونه منكِ شِئتِ أم أبيتِ أنتِ تحت التقييم والإختبار، فكم سجنٌ أنتِ فيه يا مسكينة؟!

 

أنتِ مستنزفة بفعل الزينة المُبداة، جريحةُ كل عينٍ مُدت لكِ _لو ما زلتِ تشعرين_، تلهثي وراء الموضة ومقاطع المشاهير تستقي منها وتُقلدي كل ما يُشيدون به في عالمهم الذي يبيعُ الوهم تقليدًا أعمى لتحصلي على قليل من الإستحسان المؤقت الزائل بلا شك، مجرد صورة عابرة تذهب وتحلُّ غيرها.

 

أنتِ بالنسبة للكثير ممن يروق لكِ لفت أنظارهم أو على خير ظن لا تتعمدي ذلك ولكن فقط تُمارسي حريتك في الثياب والزينة كما تدعي، أنتِ بالنسبةِ لهم مجرد صورة تُتجاوز لغيرها.

 

تتغذي على نظرات فانية ولو أنكرتِ ذلك، أو على أقل وصف يروق لكِ هذا الإعجاب المؤقت، وكونكِ مسخ من أخريات تشبهينهن أو يشبهونكِ، ولا أقصد إساءة متعمدة، ولكن الواقع مليئ بمتشابهات شكلًا ومضمونًا يدَّعِين الحرية وبينهم وبينها بُعد المشرق والمغرب.

 

أنتِ لست حُرَّة كما تدعي أنتِ في شدةِ ضعفكِ وانهيارُكِ الروحي وأسوء حالات أسركِ لو تعقلين والشواهد على ذلك كثير، وسلي نفسكِ.

 

الحرية الحقيقية تعيشُها مَن أخفت زينتها، مَن التحفت بالستر والعفاف فلا تنتظر إعجابًا مِن عامة الناس البر منهم والفاجر..

ولا تمنح المارَّة حقوق شرعها الله للخواص.. 

 

هذه عرفت الحرية عن كثب وسعادتها كونها “حُرَّة ” لا يرى محاسنها وزينتها إلا من أحلَّ لهم الشرع سعادة لن تحصلي عليها ولو حُيِّزت لكِ كل نظرات وعبارات الإعجاب والمدح من الناس أجمعين.

 

هذه الحُرَّة عزيزتي تستمد سعادتها ورضاها عن نفسها من نظر الجبَّار سبحانه وتعالى وترى نفسها في مرآة الشرع وتزن رغباتها على ميزان الدين فأيُّ حرية هذه التي تتنعم بها وأي سعادة تلك التي بين ثنايا قلبها، روحها تُحلِّق في سماء العفة وقلبها يطرب كلما ازدادت سترًا.

 

ربما لن تصدقي كلامي أو تتعجبي منه وتظني أنني أبيعُ لكِ الستر بالكلام، ولكن عزيزتي هذا الستر ليس سلعةً يُروَّجُ لها ولا متاعًا يُباع بل هو كنزٌ غالي لن تحصل عليه عن جدارة إلا مَن باعت نفسها لِمن بيدهِ خزائن السموات والأرض.

 

ولكن سلي عن هذه المشاعر من تشبَّعت بـ (يُدْنِين عَلَيهِنَّ) وارتوت بـ (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتُهنَّ) من تسير شامخة مُتعففة لا تأبه بألوان الفتيات حولها ولا يجذبها ثياب كاسيات عاريات بل تتقطع حزنًا على كل من سجنت نفسها بيدِها وباب الحرية والإنطلاق دونِها يُناديها ولا تُجيب!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى