ثرثرة هاربة

آلاء شعبان
في حوار دار بين صديقاتي إنهم يحبون الثرثرة وقص التفاصيل وأنا أجيد الصمت بجدارة،
هذا اليوم كنت فقط أستمع لهم؛ لأنه ليس لدي ما أقوله إنه حوار لا أحبذ الحديث فيه، وليس لدي ما يجعلني أُشارك الحديث معهم.
تقول إحداهما أن لديها ما يجعلها تُحب الحياة وماذا يا تُرى الذي يجعلها تُحب الحياة سوى أنه الحب، لكنّه هنا لم يكن كما أظن، إن لديها حبيبٌ يُدللها ويَغَار عليها ويعِدُها بالزفاف عمّا قريب إنه حديث يستدعى الفرح لها والبهجة في قصهِ علينا، إنها شيء طيّب المَذاق، لكنه يُدعى بحلاوة البدايات، التي بمجرد انتهاءها تكون قارصة المرارة.
أكملت مسترسله حديثها بدون توقف كأن الحب يدفعها دفعًا: أن معضلتها أبيها الذي يعترض على العلاقة، فهي تحدثُ حبيبها من وراء والدها.
هذا ما توصلت إليه من ثرثرتهم الكثيرة عن إنجازات كل منهما في كيف تجعل حبيبها أو كما تدَّعي يغار عليها.
انتهيت كل واحدة منهما في قص ما لديها، وانتظروا مني قصة، وهم على أتم المعرفة بأنه لا يوجد لدي ما أقصه، لكن ما كان يوجد في حلقي ويعجز لساني عن التلفظ به ويدي عن صفعهم، هي كلمة واحدة الكل يكره سماعها عند تعلق الأمر بنفس هذه الأمور، -كلمة التحريم- كأنها سيفٌ حادٌ يوضع على الرقاب، فالكل يرهب منه لأنه هذا أمرٌ عادي، وأننا نحب بعضنا وسنتزوج، وكأنهم يعلمون الغيبيات!
لكن ابتسمتُ وتركتُ لهم المكان وذهبتُ على أنه لا يوجد لدي ما أقوله.
لم يصمت عقلي، ولم يتركني وشأني ازدحم بكلام كثير وردود أفعال يصعب وصفها وكل ما كان يدور بداخلي أن: الارتباط وما شابه من أمور الشباب الآن شيء غريب ليس لفظاعته، إنه أصبح المعتاد، إنه لِغياب عقل بعضهن، فقد اعتادوا الأمر كأنه شراء ملابس العيد التي تدخل البهجة على القلب أول مرةٍ نرتديها لبهاءها، ومن ثَمَّ تصبح باليه ونشتري الجديد.
خطوة يخطوها الإنسان في حياته، بعشوائية، تخيل أنك تقضي معظم وقتك وإن لم يكن جميعه مع شخص ما، تبني معه أحلامك وشغفك وتشاركه كل تفاصيل يومك وتتعلق به وبوجوده في حياتك كشيء أساسي لا يمكن الاستغناء عنه وتمنَحه كل شيء بل كُل ما لديك، ولا يوجد رابط رسمي بينك وبينه، بل والأشد أنه من وراء من منحوا لك الثقة ـ أهلك ـ وبعد كل التضحيات في نظر كل شخص منكم، ترىَ أن أحد الطرفين قد مَل، وطاقتِهِ انتهت وتبخر كساحر مصباح علاء الدين، ولم يعد له وجود أمام بصيرتك، وتعيش أنت طُوَال حياتك تُحاول التعافي من الخذلان الذي تعرضت له.
هناك بديل أكثر لذة وأرضى للّٰه، أن يجلس كل منكما في بيتهِ إلى أن يأتي من يستحق، يدخُل دارنا فنكرمه، نكون أقوياء، يؤازر كل منَّا الآخر، لا حاجة لِلَهفة بداياتٍ كاذبة واستعراضٍ مبالغ به، ثم ينتهي كأنه لم يكن.
مادَام هناك مستقر بعد رحلة انتظار طويلة، تكون الحياة أكثر هدوءً، نخرج من صعوبات الحياة، وثرثرة البشر، وازدحام الشوارع، وأصوات البشر المزعجة، وثِقل العمل، إلى بيت هادئ يملأه الحب الغير محرم،
يُخفف عني ويطمئِنني، يُصْمِتْ لي أصوات علقي،
أدفعهُ للأمام، وأحبه،
يكون كل منا ظهرًا صلبًا للآخر.
مُجرد تخيل حياة هادئة بدون انتقادات بدون بهجة مؤقته، دفء دائم، يجعلك تتأنى الاختيار، بدون تهديد مؤجل.
كنتُ أريد أن أحدثهم عن كل هذا، لكن تركتهم يثرثروا كعادتهم، إلى أن يشاهدوا بأنفسهم قبل عيونهم حيوات تمنوها، قد ينالها أو تنال هي منهم، إنه التعلم القاسي الذي عودته عليكم الحياة.
اختيارنا لأشخاصٍ أقوياء، قادرين على مواجهة التحديات، يُصغون للحديث، يسعون لتحقيق أهدافهم، يخلقون دُنيا لهم، بدلاً من أن يقضوا وقتاً في وعودٍ كاذبة، ثم يهربون.
أصواب الاختيار؟



