( كان وأخواتها)

الشيماء أحمد عبد اللاه
في زاويةٍ من زوايا اللغة العربية، حيث تختبئ الأسرار خلف الحروف، تقف (كان وأخواتها)، كأنها أرواحٌ خفية تعيد تشكيل الجُمل، تُبدّل الملامح، وتُلبس المعاني ثوبًا جديدًا، ليست مجرد أفعالٍ ناقصة كما يُقال عنها في كتب النحو، بل هي كائنات حيّة، تتدخل في مصير الكلمات، ترفع هذا وتنصب ذاك، وكأنها تُعلّمنا أن في الحياة من يُغيّر مواقعنا دون أن يُغيّر جواهرنا.
أما عن (كان) تحديدًا، ليست فعلًا عابرًا، بل ذاكرة تمشي على قدميها، تدخل الجملة فتأخذنا إلى الماضي، تهمس في أذن الكلمات: (لقد كُنت هنا من قبل)، تحمل في طياتها حنينًا غامضًا، وتُذكّرنا بأن كل ما نحن عليه الآن، كان يومًا ما بداية، كأنها تقول لنا: لا شيء يولد من العدم، كل شيء له (كان)، كانت تسبقه.
ننتقل لأخواتها، فلكل واحدة منهن نبرة مختلفة، وكأنهن نساءٌ يجتمعن حول معنى واحد لكن بقلوبٍ شتّى، فنحن بصدد (أصبح)، فهي تشرق كفلق الصبح، تُبشّر بالتغيير، تخبرنا أن الظلام لا يدوم، ثم (أمسى)، تُغلق الستار ببطء، تحمل تعب النهار في أطرافها، وتدعونا إلى التأمل، ننتقل (ليس)، آهٍ وآهٍ من (ليس)، كم تحمل من قسوة الحقيقة، حين تنفي وتُجرّد الجملة من أملٍ كان يتشبث بها.
في دروس النحو، كنا نحفظ القاعدة: ترفع المبتدأ ويُسمّى اسمها، وتنصب الخبر ويُسمّى خبرها، لكن لم يُخبرنا أحد أن هذه القاعدة تشبه حياتنا كثيرًا؛ فهناك دائمًا من يرفعنا، ومن يُنزل من شأننا، وهناك من يُعيد ترتيبك لتبدو كما يريد، لا كما أنت، (كان وأخواتها)، ليست درسًا في الإعراب فقط، بل درسٌ في القَدر.
كم من إنسانٍ تغيّرت حياته بدخول (كان) عليها، كان قويًا فأصبح ضعيفًا، كان حالمًا فأمسى واقعيًا، كان قريبًا فأضحى بعيدًا، وكأنّ هذه الأفعال تكتب سيرة الإنسان دون أن يشعر، تُحوّل حاله من حالٍ إلى حال، وتتركه يتساءل: أين أنا من كل هذا التغيير؟
رغم كل ما فيها من تحوّلات، تظل (كان وأخواتها)، شاهدة على أن اللغة مثل الحياة، لا تعرف الجمود، فكما تتغير حركة الكلمة، تتغير ملامح أرواحنا، وكما يُنصب الخبر، قد تُنصب آمالنا على أعتاب الانتظار.
في نهاية حديثي، حين نغلق كتاب النحو، نظن أننا انتهينا من الدرس، لكن الحقيقة أن (كان وأخواتها) لا تغادرنا، تسكن أحاديثنا، ذكرياتنا، وحتى صمتنا، تذكّرنا دائمًا بأننا كنا، وأننا أصبحنا، وأننا سنظل نتغير، ما دمنا نحيا….



