“نعناع وحدتي”

منة اللّٰه عتمان
سأحتسي كوبًا من النعناع الأخضر ، أغمس وجهي في خضرته الهادئة،
كأنني أبحث عن نجاةٍ صغيرة في شيءٍ هش،
لكن التعب..
ذلك الغول العنيد.. لا يُقتل بسهولة،
بل يبتسم كلما ظننتُ أنني أفلت منه.
ربما يحلي مرارة وحدتي الخرساء، التي تزحف لي كل ليلة،
باردة، صامتة،
تنسج حولي ظلالًا باهتة،
تُتقن الخنق دون ضجيج،
تُذيبني فيها
لا دفعةً واحدة،
بل على مهل،
كما يُذاب السكر في كأسٍ نُسي طويلًا.
حتى إذا ما تلاشت ملامحي،
لم يبقى مني
سوى فراغٍ
يحمل اسمي،
أتماهى..
كآخر رشفةٍ في كوبٍ مهجور،
أُستنزف دون مقاومة،
وأُسلب ما لم أملكه يومًا:
تسرق أحلامي التي لم تُزهر،
وتتركها معلقةً على أعتاب فجرٍ لم تشرق عليه شمس الاستجابة بعد.
تتفانى حلاوة مزاجها عند أول اصطدامٍ بالحزن،
وكلما ظننتُ أنها ستمنحني حياة،
تتركني أتهاوى في غياهب الذاكرة،
أغرق بين أحداثٍ جارفة وتعرجات أفكاري المرهقة، وأتوه بين دهاليزٍ مظلمة،
لا يعرف مداخلها ومخارجها سواي.
كأنني أتأرجح على حافة الهاوية،
السقوط فيها قدرٌ مؤجل،
وأنا عالقة بين الحياة والانطفاء،
بين صحوٍ لا يكتمل، وغيبوبةٍ لا تنتهي وكأنها تعاود أدراجها كلما صحوت.
لكنني في لحظة انكسارٍ صامتة،
أتذكر رسالاتٍ ربانية،
وكأنني أتشبث بطوق نجاة،
فوجدت قلبي يتلو بلا وعي:
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحمَةٌ لِلمُؤمِنينَ﴾
فتسللت الطمأنينة إلى صدري،
وشعرت أن للروح بابًا يُفتح،
وأن الله لا يترك قلبًا لجأ إليه.
تذكرت قوله تعالى:
﴿أَلَا بِذِكرِ اللَّهِ تَطمَئِنُّ القُلُوبُ﴾
فابتلعت آخر رشفةٍ من كوب النعناع وأنا مسترخي اخيرًا،
بعد أفكارٍ موحشة صاحبتني طوال رشفاتي،
وكأن النعناع رسالة ربانية،
بأن لكل عتمة فجرًا جديدًا يقترب،
وأن بعد كل مرارةٍ تسكن الحلق،
هناك دائمًا…
حلاوة تتشكل في الخفاء،
وتأتيك
لا حين تبحث عنها،
بل حين تحتاجها
من حيث لا تحتسب،
بلطف الله الخفي.



